في البدء كان الصِّدام، كانت المنافرة حين بدأ النحو يَتَحَسَّسُ بعضَ خيوطٍ من نظام كان الصدام بينه وبين الشعراء قائمًا، نلمح ذلك في ثورة عَمَّارٍ الكلبيِّ وبِشْرِ بن أبي خازم.
ونقف وَقْفَةً عند نَحْوِيٍّ في بدء النظام قيل عنه بأنَّه أوَّل من بَعَجَ النحو ومدَّ القياس؛ أي: إنه في المرحلة الهائِمَة التي كانت تبحث للنحو عن طريق، في مُقابل شاعرٍ كبيرٍ هو الفَرَزْدَقُ الذي كان نموذجًا لكبرياء الشاعر، وكبرياء لغة الشعر.
يَقُولُ الفرزدق بعد تتبُّعٍ طويلٍ منِ ابْنِ أبي إسحاق:
وعَضُّ زمانٍ يَابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ منَ المالِ إلاَّ مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
يقول له عبدالله بنُ أبي إسحاق:"علامَ رفعتَ كلمة"مُجَلَّف"؟"
فيرد الفَرَزْدَقُ: على ما يَسُوؤُك ويَنُوؤُك، علينا أن نقول وعليكم أن تَتَأَوَّلُوا.
والعبارة المركزية هي تلك اللغة الآمِرة: علينا أن نقول وعليكم أن تَتَأَوَّلُوا.
فعلينا أن نقول تُساوِي: نحن الصوت، وعليكم أن تتأولوا تساوي: وأنتمُ الصَّدَى.
إننا أمام رجلينِ: نَحْوِيٍّ يصنع بعض خيوطٍ مُبْهَمة خائف على ضياعها، وشاعرٍ يرى أنَّ شِعرَهُ فوق النظام اللُّغوِيِّ، قبله، يصنع ما يريد، كما سُئل فقال: فعلتُ ذلك لِيَشْقَى به النَّحْوِيُّون.
وكما رام خَطْوَهُ فيما بعدُ مَنْ قال معبِّرًا عن حركة إبداعه المثيرة:
أنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا وَيَسْهَرُ الْقَوْمُ جَرَّاهَا وَيخْتَصِمُ
فلِمَنْ كان الانتصار؟ من الواضح أنه صار للمبدِع الذي أضحت كلمته أمرًا لِنَهْجِ نَحْوِيٍّ؛ ومن هنا تم التأويل؛ لإحداث المصالحة بين النحو والشِّعر.
المصالحة بين النص والقاعدة:
يبدو أنه حين استقرَّ أمر النظام، وأصبح واضحَ الملامح محدَّدَ الأركان: بدت نَظَرِيَّتُهُ غيرَ مرتعِشَة ولا هيَّابَة من لغة الشِّعر، فقد صالحها وجرى لها؛ أي: جرى معها.