وقد كان الطنطاوي عازمًا على تسجيل رحلته هذه، وتدوين كل ما يلاقيه فيها، أو يطلع عليه من معالم جغرافية واجتماعية؛ يقول:
"وعزمتُ أن أدوِّن الرحلة، ولا أكتفي بما تحمل ذاكرتي؛ فاتخذت دفترًا كتبت فيه كلَّ طريق مشينا فيه، وكلَّ جبل مررنا به، وكلَّ أرض حللنا بها، ودوَّنتُ أنساب وعادات وأحوال من لقينا فيها".
وهو بذلك يحاول أن يجعل وصف رحلته أدقَّ وأعمق ما يكون.
ولكنه فقد دفتره هذا -بكلِّ ما فيه من معلومات- قبل وصوله إلى المدينة المنورة؛ فاضطرَّ إلى الاعتماد فيما كتب بعد ذلك على ذاكرته، وبعث مقالاته إلى مجلة"الرسالة"في القاهرة، و"ألف باء"في دمشق، كما أنه عاد إلى هذه الرحلة وتحدث عنها في ذكرياته، في حدود عشر حلقات من الجزء الثالث.
وهو يصور لنا فيما كتبه عن رحلته هذه الطبيعة القاسية للأراضي التي مرَّ فيها، فهي جبال وصحاري وبواد لم تطأها أقدام مسافرين من قبل؛ لأنهم اضطروا إلى الابتعاد عن الطرق المسلوكة من قبل؛ فيقول مثلًا:
"وصلنا إلى حَرَّة من أوسع الحِرَار وأعجبها، مستويةً من الأراضي، مفروشة بحجارة سوداء لماعة، أكثرها حاد الأطراف كالسكاكين. وكنا ننزل من السيارة فنزيح الأحجار من طريقها، وإذا بلغنا هضبة لا تقوى السيارة على صعودها ربطنا السيارة بالحبال وجررناها ودفعها ناس من خلفها. وقطعنا تسعين كيلًا. خرجنا منها فوجدنا أنفسنا أمام (مركز الأزرق) الحدود الذي هربنا منه!!" [9] .
عيوب الرحلة:
ويقول في مكان آخر:
"حتى الطبيعة من حولنا لا أحسُّ منها إلا ما يبعث الخوف وينفي الأمان؛ تلال الرمل، وصخور الجبال، وأرض تشتعل رمضاؤها، وتنفث لهبًا سماؤها، وسرابٌ رأيته أول مرة فحسبته ماء! فهو كالشهرة والمجد والجاه؛ يتمناها المحروم، ولا يشعر بالمتعة بها مَنْ أوتِيَها" [10] .
ولم يتحرج عن ذكر عيوب هذه القافلة، وسلبياتها، وأخطائها، ونواقصها؛ فلم يكن معهم خريطة للمنطقة، ولا بوصلة، ولا أمير للركب: