وهو -في حديثه عن رحلاته- لم يكن يكتفي بذكر جمال طبيعة البلاد التي يزورها، أو قسوة الظروف التي يعانيها؛ بل كان يُبرز دائمًا ما خلَّفته هذه الديار من أثر في مشاعره وأحاسيسه، ويستعرض -أحيانًا- تاريخ تلك البلاد بإيجاز، ودخول الإسلام إليها، والظروف الاجتماعية التي يعيشها الشعب فيها، وعاداته وتقاليده، وما قام به من بطولات، وما قدَّمه من تضحيات حتى تحرر من الاستعمار؛ فهو يقول:
"وأنا حين أهمُّ بالكتابة عن بلد؛ لا أصف طبيعة أرضه، ولا تحديد مساحته وحاصلاته؛ ولكن أحاول أن أصف مدى شعوري به، ومبلغ ما له في نفسي" [1] .
وقد تحدَّث بتفصيل أو بإيجاز في"ذكرياته"عن زيارته إلى مصر، مرورًا بفلسطين [2] ، وعن زيارته إلى بغداد سنة 1936 [3] ، وعن زيارته إلى القدس 1954 [4] ، وإلى كراتشي ودلهي [5] وسنغافورة وماليزيا [6] ، وأخرى إلى ألمانيا 1970 [7] ، كما تحدث عن قدومه إلى الرياض [8] .
ولكثرة رحلات الشيخ علي الطنطاوي؛ فلن أتناول منها إلا رحلتين:
1-رحلته عبر صحراء الحجاز:
أما الأولى منهما: فهي رحلته إلى قلب الصحراء، التي لم يكن فيها طريق معبَّد ولا ممهَّد، وقد اضطُّر ورفاقه في الرحلة إلى أن يَبعُدوا عن الطرق المسلوكة، فامتطوا خمس سيارات، وانطلقت القافلة من دمشق عام 1353هـ - 1934م؛ لاكتشاف طريق بري للحج بالسيارات، يربط الشام بمكة المكرمة، وحالت السلطة في شرقي الأردن أيام الاحتلال الإنكليزي دون مرورهم فيها، فاضطُّروا إلى الضرب في أعماق البادية، مبتعدين عن المناطق المأهولة، أو الخاضعة لسيطرة أبي حنيك (غلوب باشا) ، ولاقَوا في ذلك الطريق أهوالًا، ومشاق تتضاءل أمامها معاناة المسافرين على الجمال؛ فالطريق بين دمشق ومكة يقطعها راكب السيارة حديثًا في أقل من يوم، ولكنهم قضوا ثمانية وخمسين يومًا في رحلتهم تلك.
فقدانه مذكرات الرحلة: