وتقرِّر الاستسلام وتسليم مكة طائعة إلى الرجل الذي كذَّبت وآذت وأخرجت.. فليس لها غير ذلك حيلة!
ويدخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحًا خاشعًا مطأطئ الرأس؛ إجلالاً لله -عز وجل- الذي بشَّره بالفتح قبل أن يخرجَ من المدينة: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) .
ويتوجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت الحرام وقد جعلت حوله الأصنام فيشرع يطعنها ويحطمها وهو يردِّد: (( جاء الحقُّ وزهق الباطل، إن الباطلَ كان زهوقاً ) )، ثم يدخلُ الكعبة ويأمر بإزالة ما فيها من أوثان ومسح ما فيها من صور، مطهِّرًا لها من أوضار الشِّرك إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها..
ويرى عثمان قريشًا تتجمَّع خائفة وَجِلَة تنظر ما يأمر بها النبيُّ الفاتح -صلى الله عليه وسلم- فينادي بهم: (( ما تظنُّون أني فاعلٌ بكم؟ ) ).
فتجيب الجموعُ وقد ملأ الأملُ قلوبَها برحمة هذا النبيِّ كريم الخلق: (( أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم! ) ).
فيأتيهم الجواب خيرًا مما أمَّلوا وتمنَّوا، فضلاً منه ومنَّة صلى الله عليه وسلم: (( اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء ) )..
ويعود الزمنُ بعثمان إلى ذلك اليوم الذي جاء به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يريد دخولَ الكعبة، وكيف صدَّه هو، ويتذكَّر كلمات النبي صلى الله عليه وسلم له وهو يعده بهذا اليوم، يوم يضع مفتاح الكعبة حيثُ يشاء، فما أيقظَه إلا صوتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأل عن المفتاح..
ويلمحُ عثمانُ المفتاح.. ها هو مع ابن عمِّ الرسول وصهره عليِّ ابن أبي طالب رضي الله عنه يرفعه، فيخفق قلبُه بين جوانحه، ويزداد فَرَقًا حين يسمع عليًّا يرجو النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( اجمع لنا الحِجابَة مع السِّقاية يا رسول الله! ) ).
فيأخذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المفتاح من عليٍّ وينادي: (( أين عثمانُ بن طلحة؟ ) ).