وتلك نظرة تقتضي بدورها كشف الجينات المولِّدة للاتجاهات الثقيلة التي تجر الأحداث بجاذبيتها، وتشد الواقع والوقائع تحت مفعولها، وهو أمر صعب دون نظرة أخرى من بعيد للواقع المدروس، نظرة تنطلق من زمن موغل في التاريخ بشكل كافٍ لاستيعاب المسار التاريخي للأحداث وفِقْهِ أشكال تطوره، ومعرفة غلبة الصورة منه التي تحققت على صورة أخرى لم يُكتب لها أن ترى النور، وإن كانت لها حظوظ افتراض الوقوع والتحليل الأبستيمولوجي الناقد بين النظرتين من شرفة الماضي الذي انطلقت منه النظرة الأولى، إلى أفق المستقبل الذي بلغته النظرة الثانية، هو الزبدة المرتجاة من البحث والتحليل، وهو المانع من أن يرجع بصر البحث المستقبلي خاسئًا وهو حسير، وما أمره على الدارس المستغرق الجهد بيسير.
10-فنحن لا نسير على خطى الذين يدعون أن دراسة الماضي وحدها تحدد المستقبل، فهؤلاء يرون في تطور الأحداث أمرًا سكونيًّا، ومعرفة أثر القادم لا تحتاج لديهم إلا إلى إسقاط تطورات الماضي على المستقبل، فتلوح لهم بذلك - حسب ما يتخيلون - أجزاءٌ مهمة من صوره، ولكننا نؤمن وننطلق من أن المستقبل هو الذي يصنع الحاضر، ليس لأن فقهاء المستقبلية يقولون بذلك ويعتبرونه أصلاً لعملهم، ولكن لكون الإسلام كان سباقًا في إرساء هذا المنهج والدعوة إليه، إذ المستقبل الأخروي المرغوب عند الفرد المؤمن هو الذي يحدد عمله الحاضر.
فمن كان يريد حرث الدنيا فقط، يؤتيه الله منها ما يشاء، وهو من وجهة الإسلام لا مستقبل له إلا النار. ومن أراد الدار الآخرة وسعى لها سعيها في الحاضر، فإن له المستقبل الزاهر بإذن الله. وتلك أقوى الدَّلالات على قولنا إن المستقبل صانع الحاضر، وإن الإيمان بالصورة المرغوبة والممكنة منه محفز على العمل الآن، دافع للإقدام على استيفاء شروطه في الحال.