2-والخطر يكمن خاصة عند المهتمين بتلك العلوم والفنون في عدم التمييز بين"التداول"و"التقدم". فتداول الأيام سُنة من سنن الله في الكون، قائمة دائمة إلى أن يشاء الله، وهي الأساس في التغيير، وهو مخالف للتقدم الذي قد يحصل حين التداول أو لا يحصل. ونحن إذ نشير لذلك لا نريد فتح باب لتحديد كِلاَ المصطلَحين، ولكن لنلاحظ هناك عددًا من المفتونين بالتقدم والتطور العلمي، يدَّعون أن المستقبل هو لمن له قدم راسخة في المجال الاقتصادي، وباعٌ متصاعد في الميدان التكنولوجي، حتى إذا ما عالجوا ظواهر النسيج الاجتماعي الذي يتبلور فيه ذلك الاقتصاد، وأمعنوا النظر في مناخ تطور تلك التكنولوجيا، تبين لهم دور الجانب الإنساني والثقافي داخل المجتمع، فانهالوا حينئذ على صياغة تبريرات، يلبسونها لبوس العلم والمنطق، يبرهنون بها على تأثير أوضاع الاقتصاد والتكنولوجيا على ذلك الجانب الإنساني، ليعودوا إلى ديدنهم الأول وهم مقتنعون.
3-ويسقط في نفس الخطأ الذين ينطلقون من السؤال:"ماذا سيقع في سنة 2000 أو ما بعدها من السنوات؟". فهؤلاء ليسوا مع المنهج المستقبلي الأبستيمولوجي في شيء. لأن الهدف الأساس من المستقبلية ليس كتابة تاريخ وقائع الأزمنة القادمة - مهما تعددت الوسائل العلمية لتكهنها - ولكنه النظر في إمكانية صنع مستقبل مرغوب، وتحديد العمل استراتيجية وبرنامجًا لتحقيقه حسب شروطه، باستبصار مختلف العوامل الفاعلة في الماضي القريب والحاضر اللهيب، سواء منها المانعة من بزوغه، أو المشجعة على تجليه.