ومعنى ذلك أن الصالحين من عباد الله يسعون - ضمن نطاق التكليف وداخل دائرة أقدار الله - إلى التنقل من قدر الله، هو أوسع لهم رحمة، وأضمن لهم ثباتًا على الدين وممارسة لتعاليمه. من هنا كانت الكلمة البليغة للشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني - رحمه الله - نوعًا من الحكمة التي لا يستوعبها إلا العارفون أولو الألباب والنُّهى حين قوله:"والرجل مَن يكون منازعًا للقدر، لا مَن يكون مستسلمًا مع القدر".
فالإيمان بقدرة الله وقدره على المنحى السلبي الذي نراه اليوم في مجتمعاتنا، والمنعدم الوعي للفرق بين التوكل التواكل، المُفْقِد للإنسان طموح التغيير والإقدام على المبادرة، إيمانٌ أجوف لا أس صلب له. بل الإيمان القويم المتين أن تضع قدر الله داخل مجال فعلك، وأن تغالب الأقدار التي لا مفر لك منها، تستجلب في محيطها صارعًا ودافعًا وتدافعًا قدرًا أحب إلى الله، تكون فيه أقدر على القيام بما كلفت به من الله - جل علاه -، لإعلاء كلمة الله، خدمة لخلق الله، وحفاظًا على موازين الصلاح في الكون المسخر للإنسان من الله.
وسعيًا لإبعاد تلك الرؤى السلبية التي رسخت في أذهان العديد من أفراد عالمنا الإسلامي، نقدم فيما يلي مجموعة من المعلومات المركزة عن فنون المستقبل موضوعًا وغايات، لأننا لمسنا أن عديدًا من جمهور المثقفين المسلمين قدِ اخْتَلَطَتْ لَدَيْهِمْ مفاهيمُ التخطيط والاستشراف والتدبير، وآخرون لا يميزون بين القدر والإعداد للغد، لعلنا نكون بذلك قد ساهمنا في إزالة الغموض، وشاركنا في تنوير النهى حول الغايات من إعمال فنون المستقبل وأدواتها المعرفية، للبت في قضايانا اليومية.