فهرس الكتاب

الصفحة 7774 من 19127

"ودفع القدر بالقدر نوعان:"

أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه - ولمَّا يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله، فيمتنع وقوعه. كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.

الثاني: دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بالتداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.

فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة، فإنه عجز . والله تعالى يلوم على العجز، فإذا غلب العبد، وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجال، فهناك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. وهنا ينفع الفناء في القدر، علمًا وحالاً وشهودًا. وأمَّا في حالة القدرة، وحصول الأسباب، فالفناء النافع أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته، وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته. فهذا الذي قام بحقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . علمًا وحالاً. وبالله المستعان"."

ونحن قوم بالطبع والفطرة لا نقول بسخرية القدر، لعلمنا أن القدر وهو على صنع ونهج رباني لا يسخر، ويستحيل أن يسخر. وكيف يسخر وهو مجال فعل لكل مكلف فيه من الحرية والحركة على قدر ما يمتطيه من أقدار الله المفسوحة أمامه، يفر من هذا إلى ذاك، يمتطي الأجود والأسرع من مراكب أقدارها لاختيار بدائل أقدارها، ويغالب المشهود والوشيك من أنواعها بما يتوق إليه من أحاسن أصنافها، مثلما قال عمر - رضي الله عنه - حين أبى أن يدخل الأرض التي قصد، وقد حلَّ بها الطاعون."أفرار من قدر الله؟!"فكان جوابه القاطع البليغ:"نفر من قدر الله إلى قدر الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت