فهذان مَثلان يعاتب الله فيهما على قوم يحتجون في وجه مَن يدعونهم للإصلاح بالقدر. الأولون يدَّعون أنهم لا يريدون تغيير قدر الله، والآخرون يزعمون أنهم لا يستطيعون مخالفة قدر الله . فهل أجازهم الله على مواقفهم وأفعالهم، أم أنكر زعمهم وادعاءهم؟
ونحن لا نريد في سياق كلامنا أن ندخل في متاهات فلسفة القدرية، وما جرته من جدال وصراع مدمر ومكبل بين مختلف الفصائل التي تصارعت في أزمنة سابقة في تاريخ أمتنا الإسلامي بين الجبرية والمعتزلة، لكن أشير إلى ما قاله أحد الأئمة الأعلام، والسلف العظام، الإمام ابن القيم - رحمه الله -، في كتابه القيم"مدارج السالكين" [10] :
"وراكب هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفته: مصادمة أمواج القدر، ومعارضتها بعضها ببعض، وإلا هلك. فيَرد القدرَ بالقدر. وهذا سيْر أرباب العزائم من العارفين. وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني:"الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والرجل مَن يكون منازعًا للقدر، لا مَن يكون مستسلمًا مع القدر". ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض، فكيف في معادهم؟"
والله تعالى أمر أن تدفع السيئة - وهي من قدره - بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوع من قدره، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره. ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات؛ مات عاصيًا. وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره. وأمر بدفعها بأقدار تضادها. والدافع والمدفوع والدفع مِن قدره.
وقد أفصح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى كل الإفصاح، إذ قالوا:"يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقى نسترقي بها، وتُقى نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟، قال: (( هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ ) )" [11] .
ثم يضيف إمامُنا ابن القيم - رحمه الله - بحجج دامغة، شارحًا أنواع دفع القدر بالقدر: