ونحن لا نقصد من هذا التعريف بالمفهوم التوغلَ في التنظير لعلوم المستقبل من وجهة تنطلق من مرتكزات الثقافة الإسلامية؛ لأننا لا نرى ضرورة في تفصيل ذلك، إذ إننا لا ننتظر من دراسات المستقبل حلاًّ شاملاً لمعضلات قائمة، أو قرارًا ناجعًا لفك إشكاليات حاصلة، وإنما حسبها بعد الوعي بنتائجها وتوصياتها الإحاطةُ إجمالاً بالموضوع، وتوجيه الأنظار لمختلف مركباته، وشكل حركاته، والمسار المتوقع لكيانه، المحدد لشكل مآلاته. ولهذا كانت عنايتنا في هذا التعريف بمفهوم"المستقبل"منكبةً على مقاصد الفنون والعلوم المتعلقة بصياغة مشاهده؛ لتوجيه تلك الأنظار نحو الغايات لا تهويل الذات من خطر المستقبلات. ولن نتردد كلما سنحت الفرصة أن نعيد ما سبق أن نادينا به في دراسات سابقة - خاصة في عصور طغت فيها التقلبات، واشتدت فيها وتيرة وحِدَّة التغيرات - ما أصبح شبه القاعدة عندنا من أن"البت في الحال، يقتي الإحاطة بالمآل".
ونحن حين نعالج المستقبلية، نمارس عمليًّا دراسات المستقبل، فنمعن النظر استشرافًا لآفاق عملنا الحالي والظرفي، في سبيل أن نقدم حاضرًا داخل حقلنا الإسلامي قادرًا على تصحيح ما ينبغي تصحيحه، وتغيير ما يلزم تغييره، لن نعدم مَن يصيح في وجهنا مِن بني قومنا وإخوتنا، ممن يشاطروننا الدين والعقيدة، ويحملون معنا هم الأمة، ويشاركوننا الانتماء لعالم الإيمان وأسرة الإسلام، منبهًا كلما باشرنا الحديث عن المستقبل أننا نمشي في هذه الدنيا بقدر، وأن لا حركة لنا ولا سكون إلا بما قدر الله، ووَفْقَ ما قدر الله.