ونوع يمكن أن ننعته بـ:"المستقبلية القرارية"، وهي تهدف أساسًا إلى صياغة مشاهد للمستقبل تساعد على صناعة القرار وتوجيه مساره نحو الدقة، وذلك من خلال بسط ملامح تبدو مريحة على صعيد التفكير في المستقبل وتوجساته، لكنها تشحن بآمال تحققها طاقات رجالات القرار صوب العمل المتقن، والممكن من تجسيد الأكثر إمكانية، والأصوب قصدًا من تلك المشاهد على أرض الواقع، وانطلاقًا من مقصدها القراري، يكون منهجها شديد العناية بمآلات القرار ومعوقاته وانعكاساته المحتملة، ومدى تحقق الأهداف المتوخاة منه، تستخلص منها مشاهد يمكن أن يطمأن إليها حين العزم باتخاذ القرار المراد أو عدمه.
وكثيرًا ما نجد الدراسات المستقبلية اللصيقة بالمجالات السياسية والاقتصادية محتاجةً ومستعملة لكِلاَ النوعين المذكورين. محتاجة للأول لمعرفة شكل المستقبلات الممكنة، ومستعملة للثاني لاختيار بدائلها حين العزم على قرار يتعلق بإنجاز المتوخى والمرغوب من تلك المستقبلات.
ولا نستغرب كون بعض الخبراء يرون في المستقبلية نوعًا من الانتقام العقلاني من وقع جهل العقل بمعظم نتوءات وتجاعيد تطور الحاضر، لكننا دون أن نسلك نفس المذهب نراها نوعًا من التحدي المعرفي المشحون بالآمال؛ للتغلب على عقبات تحليل تطورات واقع المجتمع. وهي تأخذ أهميتها من شح المعلومات حول شكل القادم من الأحداث داخل ذلك المجتمع. بل وجدنا بعضهم يعرفها تعريفًا واضح العيب والخلل يتهكم فيه قائلا:"إن المستقبلية، وخاصة منها المستقبلية الاجتماعية، هي بالتأكيد وفي آخر المطاف ما كان ينبغي أن نفكر فيه ابتداء من اليوم للمنظومة الاجتماعية القائمة" [4] .
ولو تمعنا في القول لوجدنا صاحبه يخطو على خطى الفيلسوف الفرنسي"غاستون باشلار" (Gaston Bachelard) حين قوله:"الواقع الحقيقي ليس ما نظنه، بل هو دومًا ما كان يلزم أن نظنه" [5] . ثم يضيف نفس الباحث المستقبلي المتهكم لينهي تعريفه بكلام مقبول: