وحسْبنا في هذه الفِقْرات تقديمُ بعض التوضيحات الضرورية حول القصد من إعمال علوم وفنون دراسات المستقبل المعاصرة في معالجة واقعنا؛ حتى نعي المراد من مفهوم"المستقبل"، من خلال عرض مُركَّز لبعض الرُّؤَى والمُرْتَكَزات والمناهج لتلك العلوم والفنون ورجالاتها ومؤسساتها ومدارسها، استخلصناها من تجرِبتنا المتواضعة، ومشاركتنا الدولية في مجال الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية. وهي توضيحات وإشارات منتقاة من مُسَوَّدِة مشروع تنظيري، نُعده للنشر حول هذا العلم الضروري، ثم تناوله من وجه نظر ترمي لجعله عنصرًا أساسيًّا من عناصر الاجتهاد المعاصر، مدخلاً من مداخل إتقان البث في المستحدثات والنوازل داخل ساحة واقعنا المتقلب.
ولهذا كان مفيدًا ونحن نتطرق لمفهوم"المستقبل"- الذي هو أس كل معالجة استشرافية وبرنامج تغيير مستقبلي - أن نقدم نبذة مركزة عن القصد من تلك العلوم والفنون؛ لنمارس من خلال التعريف ذاته منهجًا للغوص في تحليل الواقع المعاصر، وكيفية البحث عن تحديد العوامل الفاعلة في تقلباته، والدالة على أشكال تغيراته.
ونشير بَدْءًا قبل التطرق لمقاصد فنون المستقبل ومضامينها إلى أن هناك أنواعًا متعددة لهذه الفنون، تختلف باختلاف موضوعها ونماذجها، منها السلبي ومنها الإيجابي. أما السلبي منها فلن نطيل الكلام حوله؛ لأنه بعيد عن المنهج العلمي، لصيق بالخرافة وادعاء علم الغيب، بل لا يصنف بتاتًا عند العديد من الخبراء ضمن علوم المستقبل، وإن كان غير عديم الفائدة في مجالات الأدب وإبداعاته القصصية المعتمدة على نسج الخيال، أو البرامج الإعلامية والمواد السينمائية التي قد تسد عطشًا معرفيًّا أو حاجة ترفيهية، من خلال التلويح بالعقل في سراديب الخيال ومتاهات المحال.