لذا كانت"المستقبلية"موقفًا فكريًّا من جهة لابتسار نظري تصوري واعٍ لحركة التغيير القادمة، وتكهن لما يبشر أو ينذر به تطور الأوضاع القائمة والأحداث المتفاقمة، وتصرفًا عقليًّا من جهة أخرى؛ لدفع عجلة التاريخ ورحى الأحداث نحو مستقبل منشود محدد سلفًا، ووضع مرغوب معلوم مسبقًا.
والمستقبلية زاد للوعي الجماعي، وإلا فلا حاجة لها على الإطلاق:
وعي جماعي: بأنَّ الأمَّة معرَّضة للزوال في حالة عدم تَبَصُّرِ الخَطَرِ المُحْدِق بها في كل قرار أو حركة جهة العقبات التي عليها اقتحامُها، وإدراك درجة الكوارث المحتملة، المانعة من إنجاز المصالح، ودرء المفاسد حمايةً للفرد والمجتمع، وإقامة موازين الحق والعدل التي تتوخاها في مجتمعاتها ومحيطها، على مستوى يتجانس مع طموحاتها والمتوفر لديها من الوسائل داخل دائرة الممكن حالاً، وما قد تتسع له أو تضيق به مآلاً.
وعْي جماعيٌّ بانعكاس الخطر على الجميعِ أفرادًا وشعوبًا وحكومات ومؤسسات حين غياب الإيمان بضرورة العمل لصناعة الغد المشرق، من خلال تعزيز الموجود، وإيجاد المفقود من المصالح، والحرص على درء الأخطار كافة والمفاسد المهددة للبقاء.
فإنعاش الذاكرة الجماعية هو الهدف الأساس من المستقبلية، وأس ذلك الإيمان والعمل، ومحاربة التآكل المعرفي، والحيلولة دون تآكل الذاكرة، هما المقصد الأسمى من الاهتمام بعلوم المستقبل، وأس ذلك العلم والتواصي بالثبات على الحق، والصبر على مواصلة السير، لبلوغ الأهداف المرسومة لازدهار الأمة ودوام السؤدد لها.
ولقد سبق أن شرحنا بتفصيل في دراسات سابقة دَلالاتِ مصطلح"المستقبلية"من خلال أهم ما نُشر من الدراسات الاستشرافية بالبلاد العربية والغربية المُعَرِّفة لمفاهيمه يمكن أن يرجع إليها [2] .