فهرس الكتاب

الصفحة 7762 من 19127

فالأمر لا يتعلق بتصرف سكوني تِجاه مُيولات الحاضر بمسايرة دوافعه وتياراته، فذلك موقف سلبي، لا دور للفكر فيه؛ لأنَّه يقضي بانتظار التغيير ثم الخضوع لحتميَّته. ولا عزم على تأريخ أحداث المستقبل؛ لأن ذلك ضربٌ من الكهانة لا يدعي عِلْمِيَّته إلا سفيهٌ أو محتال. ولكن توقع مستقبلات مَرْجوَّة، مع ترقُّب عَقَبَات في وجهها محتملة، وموانع في طريقها متوقعة.

فالتعامل مع المستقبل من هذه الوجهة لا يتعلق برد فعل من المداهم والمباغت من النوازل والمُدْلَهِمَّات؛ لأن المسألة ليست إقصاءً لعمليَّات مجابَهَة الضار من الدوافع والجاذبيَّات، والشديد البأس من الموانع والعَقَبات، وإغْفَال الإعداد والتهيؤ لها إلى حين بزوغِهَا، ذلك أن أية منازلة لها على ساحة التاريخ هي منازلة خاسرة، فعجلة التاريخ عجلة ساحقة.

ولكن المسألة فعل بدل رد الفعل، ينطلق أساسًا من إعمال للفِكْر والذهن في معالجة الواقع على بصيرة وبُعْد زمني، عبر تَكَهُّن علمي بمدى سَطْوة تلك الدَّوافع والجاذبيات قبل مجيئها، ومدى حِدَّة عوائق الموانع والعقبات قبل الوصول لها، إعدادًا وضمانًا لسلامة التحصين، وبلوغ مستويات واقية من المناعة حين مقابلتها أو مواجهة مثيلاتها.

وإعمال الفكر والذهن تبصرًا واستشرافًا ممكن في وجه تلك العقبات والموانع والجاذبيات والدوافع، من الترقُّب الراقي والإعداد الواقي بعد بلوغ درجة من الظن الواعي بمباغتتها، ودراسة جدوى التَّحَسُّب لاحتوائها، بعيدًا عن عمليات التهويل والتخويف الصادرة غالبًا عن فعل جهات ومؤسسات وتنظيمات، تدفع بشتى الوسائل والحجج جهة الإيمان المطلق بحتمية وصدق ما ترمي به من التوقعات، وتحول بتلفيق في الأسلوب والمنهج دون التشكيك في استحالة وقوع ما تنذر به من التنبؤات [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت