وَذَلِكَ حَقٌّ، لَوْ وَقَفْتُ قَصَائِدِي وَكُلَّ كِتَابَاتِي عَلَيْكِ لَمَا وَفَّى
فُؤَادُكِ يَا أُمَّاهُ نَبْعٌ مِنَ الرِّضَى سَقَيْتِ بِهِ نَفْسِي وَبارَكْتِهِ أَلْفَا
أَرَى تَحْتَ رِجْلَيْكِ الجِنانَ وَقَدْ غَدَتْ حَصَى الأَرْضِ فِي عَيْنِي بِها ذَهَباً صِرْفَا
هذه الأمُّ الرائعةُ تملأ النفسَ آمالاً وسكينةً، لتَفِيض الأرجاءُ بمشاعر الصَفْوِ والرِّضا.
إنها الأمُّ، السَّخيَّةُ، التي باركتْها السَّماءُ، وهي فوقَ العادة، وفوقَ الوَصْف، والشَّاعرُ يشدو لهذه الأمِّ بعباراتٍ شائقةٍ تَقْطُر عذوبةً، ومعانٍ ساميةٍ تَفتَح جنَّاتِ الشَّوق والمحبَّة.
أما النقيضُ الآخَرُ؛ فهو صورةُ المرأة الدُّمْيَة، المرأة العاصيةُ ربَّها، المُتَشَبِّثَةُ بالقُشور، التي خَلعتْ ثوبَ الفضيلة والحياء، مُقلِّدةً المرأةَ الغربيَّةَ التَّائهةَ في سراديب الحياة!
يحاورُ شاعرُنا هذه المرأةَ في قصيدته: (ضدِّان يا أُختاهُ) فيسألُها: من أين أنتِ؟ -حين رأى تبذُّلَها وزِيَّها الإفرنجيَّ الفاضحَ- فتُجيبُهُ بكل صَلَفٍ ورُعُونَةٍ:
عَرَبِيَّةٌ! حُرِّيَّتِي جَعَلَتْ مِنَّي فَتَاةً مَا لَهَا نِدُّ
أَغْشَى بِقَاعَ الْأَرْضِ ما سَنَحَتْ لِي فُرْصَةٌ، بِالنَّفْسِ أَعْتَدُّ
عَرَبِيَّةٌ، فَسَأَلْتُ: مُسْلِمَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلِخَالِقِي الْحَمْدُ
فَسَأَلْتُهَا وَالنَّفْسُ حَائِرَةٌ وَالنَّارُ فِي قَلْبِي لَهَا وَقْدُ:
مِنْ أَيْنَ هَذَا الزِّيُّ؟ مَا عَرَفَتْ أَرْضُ الْحِجَازِ! وَمَا رَأَتْ نَجْدُ؟!
هَذَا التَّبَذُّلُ يَا مُحَدِّثَتِي سَهْمٌ مِنَ الإِلْحَادِ مُرْتَدُّ!