فهرس الكتاب

الصفحة 7667 من 19127

هذه الأمُّ القائدةُ إلى السُمُوِّ نتهجَّى خَطْوَهَا عند شاعرِنا العشماويّ؛ فنجدُ أنَّ سِرَّ الهُدَى يَكْمُنُ في صَدْرِها.

رَأَى حَنَانَ الْخُلْدِ فِي خَطْوِهَا وَذِكْرَهَا يَسْمُو عَلَى ذِكْرِهِ

وَفِي تَرَانِيمِ ابْتِهَالاتِهَا صَدًى يَفُكُّ الدَّمْعَ مِنْ أَسْرِهِ

كَأَنَّمَا سِرُّ الْهُدَى كَامِنٌ وَقَدْ طَوَاهُ الْلَّيْلُ فِي صَدْرِهِ

تَبْتَهِلُ القصيدةُ إلى شيءٍ من الكَشْف؛ لتَسْتَمْطِرَ دهشةَ الشِّعْر القابض على الوَعْد؛ وَعْدُ الهدى، وأسرارُ ليل المُخْبِتِين.

إنها الأمُّ المسلمة... وهل هناك امرأةٌ أعظمُ وأصدقُ تضحيةً منها؟

وتتألَّقُ القصيدةُ باستعاراتها وتشبيهاتها، مقتربةً من سلوكيَّات الشِّعْرِ الإسلاميِّ النَّابضِ المتوهِّجِ بالإيمان، فاتحةً منابعَ الطُّهْر:

أَبِي، وَقَدْ سِرْتَ بَعِيدَ المَدَى وَهَلْ يُرَدُّ المَرْءُ مِنْ قَبْرِهِ؟

لَيْتَكَ تَصْحُو -يَا أَبِي- سَاعَةً لِكَي تَرَى الإِخْلَاصَ فِي قَدْرِهِ

لِكَي تَرَى أُمِّي عَلَى عَهْدِهَا تُرْضِعُنَا الإِيمَانَ مِنْ نَهْرِهِ

هذه المعاني القريبةُ العميقةُ هي معاني الأمومةِ الحقَّةِ عند شاعرِنا عبدالرَّحمن العشماوي؛ ذلك لأنَّه المسلمُ الشَّامخُ بإيمانه، الذي تَربَّى على التُّقى، فيستقي من هذه الأمومةِ ذِكْراهُ وإخلاصَهُ وأشواقَهُ، تُغَذِّيهِ بحَلِيب الوفاء، وتُوقِظُ في قلبهِ مشاعرَ المحبَّة والحنان.

هذا النَّموذجُ الفَذُّ منَ الأُمومة يتكرَّر عند شاعرِنا، ويستقصي مشارِبَهُ في كثيرٍ من قصائده في هذا الدِّيوانِ.

فنرى شُعْلَتَهُ تتأجَّجُ في قصيدته (دمعةٌ على سمَّاعة الهاتِف) ، ونَحْشُدُ أنْفُسَنا لحَنِينٍ لا يَنْضُبُ في قصيدة (ينابيع الحنان) ، ونَهْفُو إلى أملٍ شاهقٍ، يَتجلَّى بكلِّ رَوْنَقٍ وبهاءٍ في قصيدة (نبعٌ من الرِّضى) :

يُؤَنِّبُنِي فِيكِ الضَّمِيرُ لأَنَّهُ يَرَى أَنَّ شِعْرِي فِيكِ لَمْ يَبْلُغِ الْوَصْفَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت