5-صدور أصحاب المذاهب الأدبية عن فهم سقيم للأدب، أو قل: عدم فهم الأدب على حقيقته عند أولائك الكتاب والنقاد - إن صحت التسمية - كما أن لضعف الدين أثراً في ذلك الفهم السقيم والغفلة عن أهداف الأدب ومهامه في الحياة، حتى نشأ جيل لا يرى ضرورة في أن يتصل الأديب بالمجتمع، ولا يهم أن يُخاطب أدبُه النخبةَ - إن فهموا أصلاً - دون غيرهم، المهم أن يطبِّق الأديب تلك الفلسفة ويسير على نهجها، حتى يصل الحال بالأدب إلى ألفاظ لا تُعقَد على معانٍ، أو معانٍ لا تنطوي على فائدة، أو فائدة تهدم ولا تبني، وتنحط ولا تسمو.
ثم إن لكل مذهب أدبي - مهما كان مصدرُه أو ادعاءاتُ أصحابه - فلسفةً وعقيدة يدور عليها ذلك المذهب، ونظريات فكرية ينعقد عليها ذلك المنهج، وإن دعا من دعا إلى ضرورة الفصل بين العقائد والأديان وبين الأدب، وإن بكى من بكى (أدلجةَ) الأدب وتسييسَه وضرورة البُعد عن تمييع الأدب في العلوم الأخرى دينيةً أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها.
ثم إن سُلِّم لهم جدلاً إبقاء الأدب خلواً من العقائد والأديان والمذاهب، لو سُلِّم لهم ذلك جدلاً فإن مقومات تلك المناهج ستنطوي على عقائد جديدة إلحادية عابثة، دينها اللادين، وعقيدتها تمجيد الإنسان والوصول به إلى مراتب الألوهية! جل ربنا عن الشريك والمعين والصاحب والولد!.
إن المذاهب الأدبية في العصر الحاضر - وأهمها الحداثة وما بعدها - لتتخبط في ظلمات الحيرة والشك والاضطراب - إلا من رحم الله - يوم أن تخلت عن دينها وعبدت هواها، وهدمت كل يقين وكل سلطة كانت سائدة، حتى صار العقلُ وحده المحور في هذا الكون، وهو الذي يملي على الإنسان علاقاته وتقديره للأشياء، وغدا العقل - على ضعفه وقلة إدراكه - مشرِّعاً وساناً للقوانين التي يجب أن يسير عليها الإنسانُ في هذه الحياة ويأتمر بأمرها.