2-كما أن العداوةَ سبب آخر، ولها ضلع ظاهر في نشوء المذاهب الأدبية والنقدية، إذ كثيراً ما كان الدافعُ لنشوء مذهب ما الوقوفَ في وجه مذهب سابق له، أو عداوة بين أقطاب المذاهب حتى يستقل آخر بمذهب جديد، ويقرر له فلسفته ونظريته، وما نشوءُ (الرومانسية) إلا وقوفٌ في وجه (الكلاسيكية) التي محضت الأدب للغير، فجاءت الرومانسية تنادي بأن يكون الأدب ذاتياً؛ ينبع من النفس، ويعالج قضاياها، ويغوص في أعماقها، ويعبر عنها. وما لبثت الرومانسية أن هوجمت من قبل البرناسة (مذهب الفن للفن) - وهي مجال الدراسة - إذ جعلت الأدب - كما يرى أصحاب الفن للفن - وسيلة للتعبير عن الذات، فالحق أنه غاية ومطلب في حد ذاته في رأي أصحاب الفن للفن، وهكذا استمرت السنة مع (التفكيكية) مثلاً في ثورتها على (البنيوية) ، وهلم جرا.
3-ولعلَّ من أبرز الأسباب وأكثرِها إعانةً على تعدد المذاهب وتطاحنها فيما بينها: سهولةَ النشر والطباعة، وكثرةَ الكتاب والمؤلفين الذين ينطلقون في كتابات عقلية؛ يقررون ويضعون الأسس للأدب من خلال نظرة ربما لا تكون بالضرورة صحيحة، بل قد تكون ضرباً من الجنون والعبثية، ثم ما تلبث تلك الرؤى والأفكار التنظيرية أن تخرج في كتاب ويترجم وترُوج سُوقُه، ثم يقرَّظ ويمدح أو يذم، وهذا يقود إلى السبب التالي:
4-ما يمارَس في الصحف من نفخ وتمجيد لمذاهبَ جديدة أو منطلقات نقدية وأدبية حديثة، فحين تكثرُ الصحف ويتعدد المحررون والصحافيون وتحكمُهم الأهواء و (الشللية) فما يقوله فلان - بالنظر إلى شخصه لا ما جاء به - هو الصواب والنظرة الجديدة المتوافقة مع المدنية أو الحضارة أو الحداثة أو غيرها من التسميات البراقة التي لا تنطوي على كبير معنى أو أثر. وقد ساعد هذا في نشر وانتشار مذاهبَ مَنْ يُعيدُ النظر فيها يجدُها لا تستحق ما خُلِع عليها وما وهبت من مدح وثناء وإشادة، أو على الأقل لا تستحق بعضه.