ومِمَّا اعتُبِرَ من أركان المدنيَّة الغربيَّة وأهمّ أسباب انْتِشار المعارف لدى الشُّعوب الأوربيَّة -: حُريَّةُ المطبوعات [5] ، وأَخَصُّها الجرائِدُ سياسيَّةً كانت أو علميَّة؛ فإنَّها قامتْ بِخِدمة المدنيَّة والعلم خيرَ قيام، وكانتْ هي الوصلة الحقيقيَّة بين الحاكم والمحكوم، لبثِّ الأولى لأنوار الفضيلة والعلم بين النَّاس، ومُراقبةِ الثَّانية لأعمال العمَّال في الهيئة الحاكمة، لإيقافهم عند حدِّ الواجب وتطهيرهم من دَرَنِ الغُرُور، فتراهُم محاسَبين بسبَبِها على كُلِّ ما يَصْدُرُ عنهم منَ الأعمال، مُتَوَخِّينَ طُرُقَ الحِكمة في كلِّ حركة وسُكُون؛ فلا يَتَجَرَّأُ أحدهم على أيِّ عمل يخالف مبدأ الاستقامة، ويضرُّ بِصالح الشَّعب والمملكة، ما دامَتِ الجرائدُ الصَّادقة مُعِدَّةً صفحاتِها لقَيْدِ أعماله ونَقْدِ أفعالِهِ، خدمةً للحقِّ وقيامًا بالواجب، حتَّى تُبُودِلَتِ الثِّقةُ لذلك بين الهيْئَتَيْنِ الحاكمة المحكومة فَتَسَاعَدَتَا على كُلِّ ما من شأنِه جلبُ المنافع العموميَّة، والاستمساكُ بواجب الحقوق الوطنيَّة، وأصبحت الجرائد لدى الشعوب المتمدِّنة من أهمِّ ما تدعو إليه الحاجة، وتقوم به حياة الشَّعبِ الأدبيَّةُ، وتدور عليه رحَى السّياسة، فهي مجرى أقلام الكُتَّاب، ومَطْمَع نظر السَّاسة؛ ومُنْعَكَسُ أشعَّة أفكار العلماء؛ وبِها تُعلَن جلائلُ الأعمال، وتَشْتَهِرُ مناقب الرِّجال كما أنَّ فيها تُعَدَّد الحسنات وتُحصر السَّيئات، فهي لذلك مصباح الاسترشاد، ومِرْقَاةُ الأفكار، وداعِيَةُ الرَّهبة والتَّهذيب، والباعثة على الرَّغبة والنَّشاط.