وأمَّا إذا كانت مبادئُ العُلُوم عامَّة بينَ أفراد الهيئة كما هي لدى الهيئة الحاكمة، فلا يُمْكِنُ لِلأُولى أن تستعمل علمها بأيَّة وجهة يتأتَّى عنها ضرر الثَّانية ما دامت مشارِكَةً لها في العلم، ورقيبةً عليْها في كُلِّ عمل إلا في بعض أحوالٍ خفيَّة ربَّما يتعذَّر وقوف العامَّة عليها.
ولا يُستغرَب قولُنا (وهو الأغلب) ، إذ قلَّ أن تجتمع الفضيلة والعلم إلاَّ بما استُثْنِيَ منه أفرادٌ يُعَدُّون على الأنامل في كلِّ هيئة حاكمة مهما تنوَّعت أشكالها، ولا حاجةَ بِنَا إلى أن نَسْتَدِلَّ على صِحَّة ذلك بأكْثَرِ المسائل الاختلاسيَّة الرَّاهنة؛ كالمسألة الباناميَّة في فرنسا، ومسألة مصارف التَّوزيع في إيطاليا، ومسألة السلاح في ألمانيا [4] ، فإنَّها جميعًا لم تصدُرْ إلاَّ عن أعاظم رجال تلك الأمم المُتصدِّرين في الهيئة الحاكمة، الذين لم يتوصَّلوا إلى المناصب العالية الَّتي وُسِّدَتْ إليهم إلاَّ بشُهرتِهم بالعلم، وكفاءتهم للرِّئاسة، ومع ذلك فحيث تحرَّر عِلْمُهم عنِِ الفضيلة فعِلْمُهم كان مُخالِفًا لها أيضًا إلاَّ أنَّهم لمَّا كانوا في هيئة حاكمة لم تستأثر بالعلم دون الهيئة المحكومة فقدِ افْتُضِحَ أمرُهم، وكَشَفَ الحقُّ سِتْرَهُم فجُوزُوا بعملهم حين لم ينفعهم عِلْمُهم، ولو صَدَرَ عنهم ذلك في شَعْبٍ عَمَّ فيه الجهل، وانفردت حُكَّامه بالسُّلطة والعلم فاستعملوها في سبيل الغاية لما أصابَهم شيء من ذلك، مهما تَمادَوْا في سَلْبِ الأُمَّة، وخَرَابِ البلاد.