فهرس الكتاب

الصفحة 7614 من 19127

نعم ذلك لم يدُمْ للشَّرق، لكن لما طرأ عليه منَ العوارض الكثيرة حينما تغيَّرت الأعمال، وساءت نيَّات الرِّجال، فتقلَّص ظِلُّ العلم إلاَّ لدى الخاصَّة الذين استعملوه لغير وجهته، وحَمَلُوهُ على غير مَحْمَلِهِ، فشوَّهوا وجه الفضيلة، وكانوا سببًا لتداعي أركان العلم، وزوال صَوْلَةِ الملَّة فتلاعبت بالأمم الشَّرقيَّة من ذلك الحين أيدي التَّفريق، وعَمَّ بينهمُ الجهل، وما زالت بهمُ الحال بين إدبار وإقبال حتى قُضِي على بقيَّة ما لديهم أو كاد؛ بقيام الأمم الغربيَّة وظهور المَدَنِيَّة الأوروبيَّة التي تأسَّست على قواعدَ أحفظ لثباتها، وأضمَنَ لاستمرارها، وأهمُّ تلك القواعد تعميم التَّعليم بطُرُق سهلة، ووسائطَ مقبولة كافلةٍ لحُسن مستقبل الشُّعوب الغربيَّة، حتى كان من نتائجها التَّدريجيَّة ما نراه الآن من انتشار المبادئ العلميَّة بين جَميع طبقات النَّاس من أولئك الشعوب، ومشاركتهم للهيئة الحاكمة في كلِّ عمل [3] مُقتضاه جرُّ المنفعة للوطن، أو دفع الضَّرر عنه.

ولا يخفى ما يترتَّب على ذلك من الأهميَّة التي أَقَلُّها مُراقبة أعمال الهيئة الحاكمة، وإلزامُها بالسَّير على طريق السَّلامة في جميعِ الأحوال؛ لِئَلاَّ يَحْدُو بِها استِئْثارُها بِالعِلْمِ إلى جَعْلِ الهيئة المحكومة آلةً صمَّاء تضعها يدُ الأغراضِ حيث شاءت.

إذ منَ المقرَّر أنَّ كُلَّ هيئةٍ حاكمة لا بُدَّ أن تكون عالمة، والعلم إذا لم يكن مقرونًا بالفضيلة أوِ العمل، يُؤدِّي بصاحبه إلى استعماله في غير وِجهته في كثير من الأحيان، فإذا استأثرتِ الهيئةُ الحاكمة بالعِلْمِ دون الهيئة المحكومة، وكان علم أفرادها غيْرَ مقرون بالفضيلة وهو الأغلب، يتصرَّفون بمصالح الرَّعيَّة تصرُّفًا لا يُحتَمَلُ إتيانُه بنتيجة حَسَنَةٍ قَطُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت