فهرس الكتاب

الصفحة 7613 من 19127

حيث عَبِثَتْ بِهم بعد ذلك يدُ الاستِغْراق في نعيم الرَّفاهة والتَّلهِّي عن المعارف والعلوم، بالتَّحاسُد الذَّميم، فتطرَّقَ إلى نِظامهمُ الخَلَل، وأخذت عوامل الانقسام والتَّقهقُرِ تتوالَى على الشَّرق، وما زال يضعف نورُه وتتراخَى قُواه حتَّى ظُهور الإسلام، وقيام الأمة العربيَّة بخدمة المدنيَّة والعلم خيرَ قيام؛ إذ عاد مظهر المَشْرِق وقتَئذٍ بِمظهر جديد، ودبَّت في عناصره رُوح الحياة، فاستقامَتْ له الأحوال، وتحلَّى منَ المدنيَّة بِحُلل البَهاء والكمال، إذْ لَمْ يَتْرُكِ الخُلفاءُ في عصْرِهِمْ وسيلةً منْ وسائل تعميم التَّعليم إلاَّ اتَّخذوها، ولا طريقةً لِبَثِّ أنوار المعارف إلاَّ سلَكُوها، فشيَّدوا المدارس ورتَّبوا لها المُرتَّبات، وتقدَّموا لأهل الفضل بترجمة الكُتُب العلميَّة من جميع اللغات، ورغَّبوا النَّاس في الإقبال عليها، والاقتباس من فوائدها، فراجت سوق العُلُوم، وأينعت رياض الفُنُون، وكثُرَتِ التَّآليفُ والتَّصانيف، فعمَّت الرَّغبة في العلم، وتوفَّرت بذلك موادّ القُوَّة للخُلفاء، فدوَّخُوا الممالك وعَمَرُوا المَسالِكَ، وأَصْبَحَتِ الأُمَّة العربيَّة في أقلَّ من جيل، وقد ملأتِ الخافِقَيْنِ دِينًا ولُغَةً وعِلْمًا وأَدَبًا وسِياسةً وغيرَ ذلك من الأمور الَّتِي هي نتيجة تعميم التَّعليم، ومُثابرةِ الخُلفاء على بثِّ روح المعارف والعلوم بين النَّاس، وانتقائِهم لترويج مقاصدهم وإدارة مهامِّ الأعمال خِيرَةَ الرِّجال، وأفاضلَ النَّاس، ومشاركتِهم في كلِّ عمل لفَطَاحِلِ العلماء ومشاهير الفُضَلاء، حتَّى كانتِ المَمالك العربيَّة في أيام زَهْوِها محفوفة بأهل العلم، مُشَيَّدَةً على دعائم النَّجاح، مُشْرِقَةً بأنوار الفضيلة والفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت