أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا} [النساء:138-139] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....
الخطبة الثانية
الحمدلله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ووالوا فيه، وعادوا فيه، وأحبوا له، وأبغضوا له؛ فمن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان.
أيها المسلمون: بعد سبع سنوات من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تعاقد أئمة الكفر، ورؤوس الطغيان في مكة على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، مسلِمهم وكافرهم؛ لأنهم آزروا النبي صلى الله عليه وسلم، وكتبوا صحيفة بذلك علقوها على الكعبة، فدخل بنو هاشم وبنو المطلب شعب أبي طالب، وتركوا منازلهم في مكة؛ نصرة للنبي عليه الصلاة والسلام وحمية له -وإن كان كثير منهم على غير دينه- ومنعت قريش عنهم الطعام والشراب وكلَ ما يحتاجونه، وعَظُم الحصار عليهم فأكلوا أوراق الشجر، وكلَّ شيء رطب، وهلك منهم ناس من الجوع، وبذل أبو طالب -وهو مشرك- جميع ماله، وكان يُنظِّم مناوبات لحراسة النبي عليه الصلاة والسلام خوفا عليه من أذى المشركين وغدرهم، وتاالله لو كان أبو طالب مسلما لترحمنا عليه، وترضينا عنه؛ جزاء حمايته للنبي عليه الصلاة والسلام.
وكان صياحُ الصبيانِ يُسمع من وراء الشِعْب من شدة الجوع والمخمصة، فَيَرِقُّ بعض أهل مكة لحال أهل الشِعْبِ فَيُهَرِّبون الطعام والكساء لهم بالليل، وربما أفلت بعضهم من عيون زعماء المقاطعة فحمَّل بعيرا ووجهه إلى الشعب، وبعد ثلاث سنوات من الحصار والجوع سعى بعض كبارهم إلى نقضها.