فربنا جل جلاله أخبرنا أن الكافرين أعداء لنا {إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] وأن أهل الكتاب منهم يحسدوننا على ديننا، ويريدون ردتنا عنه {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ} [البقرة:109] . وأنهم لن يرضوا حتى يحولونا من إيماننا إلى يهوديتهم ونصرانيتهم المحرفتين كما كانوا يفعلون قديما، أو إلى إلحادهم وعلمانيتهم كما في عصرنا هذا {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] كما يخبرنا ربنا عز وجل أن من طبيعة الكفار إن كانت لهم الغلبة إرهابَ المؤمنين، ومعاداتَهم في الدين، وإكراههم على الكفر {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف:20] وفي الآية الأخرى {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] .
تلك هي حقيقة الكافرين التي يخبرنا بها ربنا وهو عز وجل أعلم بنا بهم؛ إذ إنه سبحانه وتعالى خالقنا وخالقهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك:14] .
ثم رأينا في السير والتاريخ كمَّاً هائلا من الأحداث والوقائع الدالة على ما قرأنا في القرآن الكريم من عداوة الذين كفروا للذين آمنوا، وأنها عداوة أبدية دينية، ابتداءً من مشركي مكة ويهود يثرب، ونصارى الشام، ومجوس فارس، في عهد الرسالة ثم عهد الصحابة، ومرورا بنكبات المسلمين في الأندلس، والحملات الصليبية الكبرى التي أُبيد المقادسة في الأولى منها، وانتهاءً بالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين إبَّان إسقاطهم الخلافة العثمانية.