ولم يكن عمر في صنيعه هذا مبتدعًا؛ بل كان مهتديًا بنور النبوة، فلقد فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ولم يقسمها كما هو مشهور، بل مَنَّ على أهلها وترك أرضهم وأموالهم في أيديهم؛ لما رأى في ذلك من المصلحة وتأليف القلوب على الإسلام، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لما فتح خيبر قسم نصفها فقط، ووقف نصفها لنوائبه.
بل كان مُتأوِّلاًَ لقوله - تعالى - في سورة الحشر: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] .
وإذا كان الأمر في ذلك واسعًا فلا تثريب على الفاروق أنه اجتهد أن تبقى الأرض ملكًا للمسلمين في جميع أجيالهم، ويقر أربابها عليها مقابل خراج يكون في المصالح العامة للمسلمين؛ حتى لا تكون دولة بين الفاتحين، وقد وافقه على ذلك كثير من فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
-ماذا تعني بقولك أنَّ هذا تصرّف من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الرياسة والإمامة؟
-أعني أنَّ هُناك ما صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصفه إمام الجماعة الإسلامية ورئيسها لا بصفته مبلّغًا عن الله - تعالى - فما صدر عنه على سبيل التبليغ والرسالة كان حكمًا عامًّا، وشريعة ملزمة على الثقلين إلى يوم القيامة.
أمَّا ما صدر عنه بوصف الإمامة فإنَّ الأمر فيه يكون موكولاً إلى الإمام، ولا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلاَّ بإذنه، ومن الأمثلة على ذلك تصرفه - صلى الله عليه وسلم - في أمر الحرب وتعبئة الجيوش وعقد العهود وقسمة الغنائم ونحوه.