ومن هذه الشَّواهد أيضًا حديث فاطمة بنت قيس، وهو في الصحيحين، قالت:"طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله نفقة ولا سكنى".
وقد عقد ابنُ ماجه في سننه بابًا بعنوان: باب مَن طلق ثلاثًا في مجلس واحد، وساق فيه حديثًا عنِ الشعبي أنَّه قال لفاطمة بنت قيس: حدّثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذه الشواهد أيضًا حديث رُكانة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والشافعي: أنه طلق زوجته البتة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ما أردتَ إلا واحدة؟ ) )، فقال:"الله ما أردتُ إلا واحدة"، فردها إليه. وفيه دليل أنه لو أراد ثلاثًا لأمضاها عليه.
-ولكنْ ماذا تقولُ في الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن عباس:"كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وهو حديثٌ صريح في أنَّ من طلق ثلاثًا بكلمة واحدة كانت تحسب له تطليقة واحدة في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد أبي بكر؛ بل وفي صدر خلافة عمر نفسه، ثم أمضاه عليهم ثلاثًا بعد ذلك؛ تحقيقًا للمصلحة حتى ينزجروا عن المُسارعة في التطليق؟
-لقد ذكر النووي - رحِمه الله تعالى - في بيانه لهذا الحديث أنَّ معناه: أنَّ مَن كان يقول لزوجَتِه في أول الأمر:"أنت طالق"،"أنت طالق"،"أنت طالق"، ولم ينوِ تأكيدًا ولا استئنافًا كانت تُحسب عليه طلقة واحدة؛ لقلَّة إرادتهم الاستئناف يومئذٍ؛ بل كان التأكيد هو الغالب، فلمَّا كان زمن عمر كثر استعمال الناس لهذه الصيغة وغلب عليهم إرادة الاستئناف بها، فحملت عند الإطلاق على الثلاثة عملاً بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر.