-ولم لا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ من بعدي عضوا عليها بالنواجذ [1] ) )؟، إذا بلغ القحط بأمة من الناس ما بلغ بالمسلمين في عام الرمادة أوقفنا إقامة الحد عليهم تأسّيًا بعمر - رضي الله عنه - بل وإعمالاً للقواعد الشرعية التي أعملها، وهي درء الحدود بالشبهات، وعدم إقامة الحد على مَن سرق لحاجة، وقد سُئل الإمام أحمد - رضي الله عنه - فقال: لا أقطعه إذا حملتْه الحاجة على ذلك، والناس في مجاعة وشدة.
-أما إلغاؤه لسهم المؤلفةِ قلوبُهم من الزكاة فقدْ كان اجتهادًا منه في تحقيق مناط الحكم، ولم يكن نسخًا له، وإخراجًا له بالكلية من عداد مصارف الزكاة، فتأليف القلوب صفة إن وجدت الحاجة إليها استحقَّ أصحابها من الزكاة، وإن لم توجد لم يستحقوا؛ شأنها شأن الفقر والمسكنة، وغيرها من بقية الصفات التي أناطت بها الآية استحقاق الزكاة.
ولقد كان احتجاجُ عمر أنَّ الحاجة في عهده إلى التأليف منتفية؛ لعزة الإسلام ومنعته، فتخلفت الصفة التي كان يعطى من أجلها هؤلاء من أموال الزكاة، ثم إن تجددت هذه الصفة في عصر لاحق تجدَّد عطاؤهم، وهكذا، وذلك كما لو كنت تعطي إنسانًا لفقره، ثم أغناه الله فامتنعت عن إعطائه، فإن افتقر مرة أخرى أعطيته وهكذا، لأنك لا تعطيه لذاته؛ وإنما تعطيه لما اتصف به من الفقر، فإن وجدت الصفة أعطيته، وإن لم توجد منعته.
وأمَّا إمضاؤه الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة، فلقد كان هذا اجتهادًا منه - رضي الله عنه - وله عليه شواهد كثيرة منَ السنة، فقدِ استفاضت الأحاديث والآثار فيمن طلق ألفًا أو مائة أو تسعة وتسعين فاستقر في حقهم ثلاثًا، ومن هذه الأحاديث ما هو مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنها ما هو مروي عن الصحابة أو التابعين، فلم يكن في فعله هذا مخالفًا للسنة، ولا رادًّا لها بالمصلحة.