وفي مجال مختلف يعالج رمزي بعلبكي قضية (الكتاب في التراث النحوي) منطلقاً من أن كتاب سيبويه يمثل مركز الدائرة في تاريخ المؤلفات النحوية. ولذا فإن أية دراسة في التراث النحوي لابد أن تتخذ من الكتاب نقطة انطلاق لها، لأنه المرتكز الأساس في تاريخ التأليف النحوي، ولقد مر هذا التأليف بثلاث مراحل هي:
1-عصر ما قبل سيبويه، ونعني به المحاولات الأولى التي سبقت التأليف النحوي وأدت إليه.
2-كتاب سيبويه، وما يمثله من نظريات ومناهج نحوية.
3-ما بعد سيبويه، ويعني به الباحث التحرر من أساليب التحليل النحوي التي وضعها سيبويه، وأشهر نحاة هذه المرحلة هو"المبرد".
وقد يبدو هذا التقسيم مبسطاً شديداً، ولكنه يمثل تطور التأليف النحوي تمثيلاً دقيقاً، فمن المؤسف أننا بعد سيبويه لا نكاد نجد عملاً يتسم بالأصالة، يقول الباحث، غير أن هذا غير دقيق، إذ لم يأخذ البعلبكي محاولات التجديد اللاحقة بعين النظر، ولذا فإنه يعد الفترة التي تلت سيبويه مرحلة واحدة.
وبعد دراسة المرحلة التي أدت إلى ظهور أول كتاب نحوي، يرصد الباحث تطور الكتب النحوية وأساليبها، وذاك بمقارنة كتاب سيبويه بمؤلفات النحاة المتأخرين، بناء على أن النحاة الذين أتوا بعد سيبويه يمكن أن يصنفوا في مجموعة واحدة على أساس أنه ابتدأ من القرن الثالث وما تلاه، وكان هناك اتجاه مطرد للابتعاد عن بعض العناصر الأساسية التي تكون منهج سيبويه وطريقته، وقد نتج عن ذلك تغير جوهري في النظرة إلى الموضوعات التي ينبغي أن يتضمنها كتاب النحو والهدف من تأليفه. وعلى الرغم من الحاجة إلى دراسة مفصلة لتتبع هذا التطور في مظاهره المختلفة.
ويؤكد البعلبكي هنا على أن سيبويه قد وضع الملامح الرئيسة لأي كتاب في النحو، وأن الفرق بينه وبين المؤلفين المتأخرين ينحصر في بعض أساليب الإعراب، أما الملامح الأخرى وأهمها الملامح العامة فلم يطرأ عليها أي تغيير.