وفي الوقت الذي تعرضت فيه الكتب والمخطوطات الإسلامية للتدمير في مناطق مختلفة من العالم، تعرض كثير من التراث الشفهي للفقد أيضاً نتيجة الانصراف عن الطرق التقليدية لتلقي العلم. ومع أننا مطالبون بأن نسجل للأجيال التالية بل للجيل الحالي أفكارنا التي كانت تنتقل في الماضي مشافهة من شخص إلى آخر، إلا أننا حين نفعل ذلك يجب ألا نغفل أهمية الكلمة المنطوقة في التعليم على مدى التاريخ الإسلامي كجزء مكمل للنصوص المكتوبة. وحتى في أيامنا هذه.
وبحثت المستشرقة الألمانية آن ماري شيمل في بحث مستقل موضوع (التورية بالكتب في الآداب الإسلامية) منطلقة من أن الاستخدامات المجازية للكتاب تلعب دوراً رئيساً في الشعر الإسلامي كتشبيه الوجه، ويمكن أن نجد التشبيهات بالكتب عند كل الأمم، فالشاعر البغدادي القديم لم ير في الحديقة والزهور كتاباً فحسب، ولكنه اكتشف كتاباً مسطوراً في جلد حية رقطاء، والشاعر الفارسي القديم أخستكي يتحدث عن"كتاب الفقر"، ويذكر جلال الدين الرومي مكتبة (احتياجاتي) التي يفترض أن يدرسها المحبوب . وعندما يقول سنائي:
ما أكثر ما قرأت في كتاب المحبين
ولكنني في الحب ما زلت مبتدئاً يتعلم حروف الهجاء.
فإنه يشير إلى أن الحب الحقيقي لا يمكن فهمه بدراسة الكتب التي تتحدث عنه، وأن على الإنسان أن يعيش في كل مرة تجربة جديدة ومعاناة جديدة. وهذه الفكرة يعبر عنها نظيري (المتوفى 1612م) أعظم شعراء الهند في العصر المغولي فيقول:
كتب كثيرة ونسخ متعددة من تحكي قصة"الحب"
ولكن عندما تعيش القصة الحقيقية
فلن تحتاج إلى قراءة أي صفحة بعد ذلك.
ولكن جامي ينظر إلى الموضوع نظرة مختلفة إلى حد ما، فقد قرر أن يقلع عن الحب، ولكن"خط"الحبيب أوقعه في الغرام من جديد . يقول:
لقد حكمت العقل فغسلت كتاب الحب
ولكن"خطك"أعادني إلى درس"أبجد".