وقد كان هذا الاهتمام ناشئاً عن الفكرة السائدة عن أهمية الكلمة المنطوقة، ونحن نعلم أن الحديث النبوي الذي كان يروى مشافهة كان يمثل مركز النشاط العقلي الإسلامي، وأن الكتب كان ينظر إليها على أنها بدعة، ولذا لم تظهر إلا بعد سنة 120هـ/738م بعد وفاة الجيل الأول من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتابعيه. ومع أن العرب كانوا يفتخرون بقوة الذاكرة وبقدرتهم على حفظ كل المعارف ونقلها شفاهة، إلا أن الذاكرة قد بدأت تضعف عند الأجيال التالية، وأصبح من أسباب الفخر أن يمتلك الفرد أكبر عدد ممكن من الكتب، وبدأ الاقتناع بأن الكتابة ضرورية للحضارة بغض النظر عن كثرة الكتب أو قلتها. ومع ذلك فقد كان علماء الدين يشكون في أن المعلومة بمجرد تسجيلها كتابة، تبدأ عملية نسخها إلى ما لا نهاية"كتاباً بعد كتاب بعد كتاب"، وأن النقل الشفهي كان أكثر انضباطاً ومن ثم أقل فساداً وأعلى ثقة من النصوص المكتوبة، وحتى بالنسبة إلى العلوم غير الدينية، فقد أتاحت الكثرة المفرطة من الكتب والتصانيف لبعض الجهال أن يطاولوا العلماء ومن ثم هبط مستوى الكتب، وبدأت تلوح في الأفق مشكلة تضخم أعدادها.