على أنه قد ثبت لدى المحققين، أن أول خزانة كتب في الإسلام، أنشئت في دمشق، أنشأها خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85 للهجرة. وهذه الخزانة غمرتها الأحداث السياسية ونهشت محتوياتها الفتن والمنازعات التي قامت بين الأمويين والعباسيين، فلم يصل إلينا من أخبارها إلا أنها كانت تحتوي على بعض المؤلفات في العلوم التي نقلت عن القبطية واليونانية والسريانية، في الكيمياء والطب والنجوم، وربما كان فيها شيء من كتب الجغرافيا؛ لأن القفطي، العالم المؤرخ المشهور، ذكر في كتابه (( تاريخ الحكماء ) )أثناء ترجمة الفلكي المشهور بابن السنيدي، أن الوزير أبا القاسم أحمد بن علي بن أحمد الجرجاني تقدم سنة 435 هجرية للعمل في خزانة الكتب بالقاهرة ليعمل لها الفهرست ويرم ما خلق من جلودها، فوجد فيها كرة من نحاس من عمل بطليموس (اليوناني) مكتوب عليها: حملت هذه الكرة من خزانة الأمير خالد بن يزيد بن معاوية )) ، وتأمل ما مضى من زمانها فكان ألفاً ومئتين وخمسين سنة...
وكان خالد بن يزيد المذكور، محباً للعلم والحكمة، وكانوا يسمونه: حكيم آل مروان، ويحكى عنه أنه استقدم من الاسكندرية راهباً رومياً اسمه (( مريانوس ) )ورغب إليه أن يعلمه صناعة الكيمياء، وأنه أمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون بمصر وكلفهم بنقل كثير من الكتب العلمية من اللسانين اليوناني والقبطي إلى العربي، فكان أول من عُني بالترجمة في الإسلام.
فإذا صح ما ذكر عن خالد بهذا الصدد، وهو في أرجح الظن صحيح، فإننا نستطيع أن نزعم بأن هذا الأمير العربي الأموي، كان أول من تصدّى من علماء المسلمين للعناية بالكتب بشكل جدي، وبالتالي أول عربي مسؤول توفّر على جمع المصنفات العلمية في مكتبة مستقلة خاصة، لتكون مرجعاً موثوقاً في مختلف الموضوعات والمواد، كي تيسر لمن يرتادها من العلماء والأدباء سبل البحث وأسباب الدراسة والتحقيق.