ولهؤلاء وأمثالهم أقول: إن أقدام الزمن ثقيلة، لا يَقوَى عل تحمُّلِها، ولا ينجو من وطأتها إلا العملُ الجيِّدُ، الذي يَفرِض نفسه على الأيام، بصَرْف النظر عن مَوْقِعِ مؤلِّفِهِ، ووَظِيفَتِهِ، ودرجته العلمية، وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17] .
من أجل ذلك؛ فأنا لا أكتب إلا عن عمل جيِّد يستحق القراءة، أما الأعمال"المضروبة"- على حد تعبير العوامِّ - فلا أُعِيرُها التفاتًا مهما كَثُرَتْ أعدادها، وتضخَّمَتْ أحجامها، وعلا صُراخ أصحابها؛ لأنها تَجْتَرُّ كتاباتِ الآخَرِينَ؛ فهي كغُثاء السَّيْلِ، لا قيمة لها، ولا جديد فيها، ولأن مؤلفيها لم يتجردوا منَ الأمانة العلمية فحَسْبُ، وإنما تَجَرَّدوا مما هو أكثر، وهو الحياء العلميُّ، ومن لا يَحْتَرِمْ نفسه لا يَنْتَظِرْ من الناس أن يحترموه.
وأخيراً: لأن وقت الإنسان - الكاتبِ والقارِئِ معاً - أَثْمَنُ من أن يُنْفَقَ فيما لا طائل ورائه، ولا خير فيه.
فالكتاب الذي بين أيدينا صدر عام 1997م بعنوان (الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات) ، يقع في مجلدين يضمان أكثر من 600 صفحة، بالإضافة إلى 176 لوحة مصورة من المخطوطات. أما مادته العلمية فتتوزع على ثلاثة أبواب: أولها عن الكتاب العربي المخطوط في المصادر، وثانيها عن الكتاب العربي المخطوط كما وصل إلينا، وثالثها النماذج.
وأبادر فأقول: إن الكتاب يكشف عن جهد ضخم بذله مؤلفه في جمع مادته، وإنه يضم معلومات قيمة وموثقة توثيقاً جيداً، وإن إخراجه متميز؛ سواء في ورقة، أو حروف طباعته، أو تجليده، أو اللوحات التوضيحية التي تضمنها وما عليها من شروح، وإنه يسد فراغاً في المكتبة العربية التي ندرت فيها الكتابات الجيدة حول هذا الموضوع، وكثير مما ينشر منقول عن الآخرين بأمانة حيناً، وبغير أمانة أكثر الأحيان*.