أما السبب الثاني: فهو أن مؤلِّفَ الكتاب صديق عزيز، وابن صديق عزيز؛ فقد زاملْتُ أباه بِضْعَ سِنِينَ في دار الكتب، كنتُ أَلْقَاهُ كلَّ يوم تقريباً، ولا يكاد يَمْضِي يومٌ دون أن نتناقش ونتحاور في أمور المخطوطات، وفهارسها، وصِيانتها، وتحقيقها، ونَشْرِها؛ فقد كان أمينًا للمخطوطات بالدار، وكان حريصًا على الاحتفاظ بهذا المُسَمَّى لوظيفته دون تغيير، ونَشَرَ عِدَّةَ فَهَارِسَ، وحَقَّقَ كتاب (طبقات الأطباء والحكماء) لابن جلجل، وقدم له بمقدِّمة قَيِّمة تكشف لنا عن قامته العلمية.
أما أَيْمنُ: فقد عَرَفْتُهُ منذُ كان صبياً صغيراً، ثم تابعت مسيرته العلمية في الجامعة وفي الخارج حتى حصل على الدكتوراه، وتابعت جهوده في مجال التحقيق والتأريخ والفهرسة، وأعجبني فيه طُمُوحُهُ وحماسُهُ وغَيْرَتُهُ على التراث، تلك الغَيْرَةُ التي كانت تدفع - في كثير من الأحيان - إلى الحِدَّةِ على مَن يقتحمون المجال بغير علم، ولعل هذه الحِدَّةَ هي التي أفقدته كثيراً من الأرض التي كان يمكن أن يكسبها بجدارة.
فأنا مُحِبٌّ لموضوع الكتاب، ومُحِبٌّ لمؤلفه أيضاً، وبدافع من هذا الحُبِّ قرأتُ الكتاب، وكتبتُ هذه السطور، رغم أني أصبحت من أزهد الناس في الكتابة، كلُّ يوم يمضي يَزِيدُنِي اقتناعي بمَوْقِفِي هذا؛ لكثرة ما يُنْشَرُ من مؤلفات منهوبة، لا يَستَحِي أصحابها، ولا يحترمون درجاتهمُ العلميةَ ومواقِعَهُمُ الأكاديمية، ولا يُطَبِّقون على أنفسهم ما يَتَشَدَّقُونَ به على طُلاَّبِهم، وما يُلقُونَهُ عليهم من محاضراتٍ عن أساسيات البحث العلميِّ، وما ينبغي أن يَتَّسِمَ به من أمانة.