مجموعةٌ نادرة منَ الباحثين، لا أظن أنها توافرت لقسم المخطوطات في أيَّةِ فترة أخرى من تاريخه، منهم مَنِ انتقل إلى رحاب الله، ومنهم مَنِ انتقل للتدريس بالجامعة، ومنهم مَنِ اجْتَذَبَتْهُ مناصبُ أخرى خارجَ دار الكتب ووزارةِ الثقافة، ومنهم مَن وصل إلى أعلى المناصب في الدار، ومنهم مَنِ ابتُعثوا إلى دُول عربيَّة صديقة؛ فقاموا بدَوْر مُشَرِّف في فهرسة المخطوطات بها، قِلَّة منهم ما زالت تعمل في مركز تحقيق التراث بدار الكتب في بسالة وصمت، قانعةً بالعمل العلميِّ الجادِّ، غيرَ عابِئَةٍ ببَرِيق الوظائف والمناصب الإدارية، ولهؤلاء جميعاً في نفسي رصيد منَ الحب والتقدير لم يَخْلَقْ على مرور الأيام.
أما دار الكتب؛ فرغم أني تركتها للعمل بالجامعة منذ سنة 1970م، إلا أنني أَعُدُّها بيتي الأول، ولا أظن أنها غابت عن خاطري في يوم من الأيام؛ فأنا أتابع أخبارها وأحوالها، وآسَى لما يصيبها من مكروه، وأَسْعَدُ لكل بارقة أمل تلوح في الأُفق وتُبَشِّر بإصلاح ما أفسده الدهر، وفي تقديري أن كل ما أصابها من فساد أو تَخَلُّفٍ وقع بغير قصد منَ القائمين على أمرها والمسئولين الذين تتابعوا على إدارتها، فقد كان لكلٍّ منهم رُؤْيَتُهُ واجتهادُهُ، وكان لكلٍّ منهم مستشاروه وحَوَارِيُّوهُ، ونحن بَشَر نخطئ ونصيب، وليس عَيْباً أن يخطئ المسئول، ولكن العَيْب كلّ العيب أن يُنَبَّهَ إلى الخطأ فلا يرجع عنه.
هذا هو السبب الأول لإقبالي على قراءة هذا الكتاب، والكتابةِ عنه؛ فهو يتناول موضوعاً أَثِيرًا عندي، ويُثِير في نفسي ذكرياتٍ عزيزةً، تحتفظ بها النفس وديعةً غالية، لفترة من أجمل فترات الحياة، ولمجموعة من الصِّحاب يحتلون في قلبي مكاناً مُتَمَيِّزاً، لم يَبْرَحوه رَغْمَ طول الفِراق.