"وإن ما منعني أن أجعل النية في الزكاة كالنية في الصلاة لافتراق الصّلاة والزكاة في بعض حالهما، ألا ترى أنه يجزئ أن يؤدي الزكاة قبل وقتها، ويجزيه أن يأخذها الوالي منه بلا طيب نفسه، فتجزئ عنه، وهذا لا يجزئ في الصّلاة" [157] .
وقد حاول بعض العلماء توجيه قول الشافعي هذا زاعماً أن الشافعي يرى عدم وجوب النية في الزكاة، لأنها شبيهة بالغرامات المالية.
وهذا زعم مرفوض، ولا أساس له من الصحة فضلاً عن أن يكون له دليل، فإن الشافعي رحمه الله ينص على وجوبها، فهو يقول:
"لما كان في الصدقة فرض وتطوع، لم يجز - الله أعلم - أن يجزئ عن رجل زكاة يتولى قسمها إلا بنية أنه فرض" [158] .
وقد علل ابن حجر [159] سبب الإجزاء الذي يدل عليه كلام الشافعي أن السلطان قائم مقام صاحب المال [160] . والذي يترجح - والله أعلم بالصواب - أن الشافعي لا يرى أن المكره الذي يمتنع من أداء الزكاة أصلاً يجزئ ذلك عنه وإنما مراده به هنا ذلك الرجل الذي يريد الزكاة ولكنه لا يريد أداءها إلى الحاكم بسبب ظلمه أو لأنه يريد توزيعها بنفسه [161] .
وممن قال بعدم إجزاء الزكاة ممن أخذت منه قهراً فقهاء الأحناف، وجمع من الحنابلة منهم ابن عقيل [162] ، والشيخ تقي الدين [163] وقال هذا هو الصواب [164] .
أمّا الجزئيات التي أوردها الشاطبي في الاعتراض الثاني، فالجواب عنها عن وجوه:
الأول: ليس معنى أن يخالف بعض العلماء في هذه الأمور أن تنخرم القاعدة بقولهم هذا.
الثاني: أن بعض الذين قالوا بعدم وجوب النية في بعض الأفعال عدوا هذه الأفعال من العاديات التي لا تلتزمها النيات كأداء الديون، ورد المغضوب والودائع، فالعبد يبرأ بمجرد الردّ.