الثالث: أن من قال: إن الهازل يلزمه مقتضى قوله: ليس من باب عدم الاعتداد بالقصد والنية، ولكن عقوبة له بسبب هزله في هذه الأمور الخطيرة التي لا تصلح مجالاً للهزل. وكثير من الفقهاء يرى أن هذا من باب خطاب الوضع فالتفريق بين الزوجين (سببه) لفظ الطلاق فليس في الأمر (على هذا القول) عقوبته أصلاً [165] .
المبحث الثالث
فضل المقاصد وعظيم خطرها
1 -يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله:
إن السبب في قلة الإرادة التي نستطيع تحقيقها: أن الأعمال التي نروم تحقيقها لا تتوقف على مجرد إرادتنا لها، فهنالك حوائل ذاتية وخارجية تمنعنا من تحقيق ما نعزم على فعله وقد تضعف عن تحقيق المراد بسب عظم المراد كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كباراً = تعبت في مرادها الأجسام
وقد يمنع المرء من تحقيق مراده مرض مسهد، أو هرم مقعد، أو فقر مجهد، أو عدو قاطع للطريق، أو ظالم يحبسه في داره.
وهذه الموانع والحوائل الذاتية والخارجية لا تمنع النية من التحقق والوجود، إذ النية طليقة من القيود التي تكبل الأجساد، فالنية عمل القلب، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه.
ولذا فإن العبد الذي ينوي نية ولا يستطيع تنفيذها في الواقع ينال ثواب الناوي الفاعل لما نوى، ففي الحديث (( من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه ) ) [166] .
وتوفى أحد الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد تجهز للخروج في قتال الكفار، فقالت ابنته متحسرة (( إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً، قد كنت قضيت جهازك ) )فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قد أوقع الله أجره على قدر نيته ) ) [167] .