الثاني: أن من واجب الدولة الإسلامية أن تقيم شرع الله، فإن امتنع بعض الرعية عن أداء الواجبات التي كلفهم الله بها، كالصلاة، والزكاة، والصوم، فمن واجبها إجبارهم على أدائها بالقوة، قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [151] ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذلك (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ) [152] .
وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أمر بقتال الناس حتى يؤدوا هذه التكاليف (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله ) ) [153] .
وواضح من النص الكريم أن عدم إقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة يبيح سفك دمائهم من قبل الحاكم، ومن هنا همّ الرسول صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت الذين لا يشهدون الجمع والجماعات، والهمّ لا يكون إلا لتركهم واجباً.
هذا واجب الدولة الإسلامية أن تجبر بالقوة هؤلاء الذين يتهربون من أداء الواجبات، شاؤوا أم أبوا، وهذا يكفينا منهم، إذ لنا ظواهر الأمور، ولا نطالبهم بأكثر من هذا في الدنيا، أمّا في الآخرة فلا خلاق لهم ما لم يؤدوها بنفس رضية إيماناً واحتساباً [154] .
يقول الشاطبي في هذا الموضوع:
"لكن المطالبة تسقط عنه في ظاهر الحكم، فلا يطالبه الحاكم بإعادتها، لأن باطن الأمور غير معلوم للعباد فلم يطالبوا بالشق عن القلوب" [155] .
ويشكل على هذا ما ذهب إليه الشافعي من أن المكره على أداء الزكاة من قبل الحاكم تجزي الزكاة عنه ولو أمكننا أن نفهم عنه أن هذا الإجزاء في ظاهر الأمر في الدنيا لما كان هناك إشكال [156] ، لكنّه في موضع آخر يبين أن الإجزاء الذي يريده في الدنيا والآخرة، لأنه فرق بين الصّلاة والزكاة في هذا الجانب، يقول في الأمّ: