فهرس الكتاب

الصفحة 7260 من 19127

ثم تحدث الشاطبي عن الضرب الثاني: والضرب الثاني المقاصد التي هي من ضرورة التعبديات من حيث هي تعبديات فإن الأعمال كلها الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إلا بالقصد إلى ذلك.

وهذا في الأمور التعبدية واضح وفي العاديات لا تكون تعبديات إلا بالنيات.

ثم بيَّن أنه لا يتخلف عن ذلك من الأعمال شيء إلا النظر الأول، لعدم إمكانه، لكنه - في الحقيقة - راجع إلى أن القصد التعبدي فيه غير متوجه عليه، فلا يتعلق به الحكم التكليفي كلية، بناءً على منع التكليف بما لا يطاق لأن المكلف به قادر عليه متمكن من تحصيله، بخلاف قصد التعبد بالعمل فإنه محال، فصار في عداد ما لا قدرة عليه، فلم تتضمنه الأدلة الدالة على طلب هذا القصد أو اعتباره شرعاً [145] .

وأهم هذه الاعتراضات أن الحاكم ملزم شرعاً بإكراه الناس، فكيف يجزئ عن المكره الفعل مع أنه لا قصد له؟.

وفي الجواب نحبُّ أن نفرق بين أمرين:

الأول: أن العبادات من حيث هي أفعال صادرة من المكلفين لا تجزئ عنهم ما لم يؤدوها بقصد نابع من ذوات أنفسهم، فإن لم يؤدوها كذلك فلا تجزئ عنها بحال.

وقد نقل ابن تيمية [146] الإجماع على أن الذي يؤدي العبادة خوفاً من الضرب أو من السلطان، أو تقليداً للآباء والأجداد لا تقبل منه [147] .

وقد قال الله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [148] فقد نص في هذه الآية على عدم قبول الصدقة من الكاره. وقد نص فقهاء الأحناف أن المعتمد في المذهب عدم إجزاء أخذ الإمام الزكاة كرهاً، وإذا أخذت كرهاً لا يقع عن الزكاة، لكونها بلا اختيار [149] .

ويقول الشاطبي:

"وما افتقر منه إلى نية التعبد فلا يجزئ فعلها بالنسبة إلى المُكْره في خاصة نفسه، حتى ينوي القربة" [150] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت