الأول: الأعمال التي يجب الإكراه عليها شرعاً، فإن المكره على الفعل يعطي ظاهرة أنه لا يقصد فيما أكره عليه امتثال أمر الشارع، إذ لم يحصل الإكراه إلا لأجله، فإذا فعله وهو قاصد لدفع العذاب عن نفسه فهو غير قاصد لفعل ما أمر به، لأن الغرض أن العمل لا يصح إلا بالنية المشروعة فيه، وهو لم ينو، إذ لم يصح كان وجوده وعدمه سواء فكان يلزم أن يطالب بالعمل ثانياً، ويلزم في الثاني ما لزم في الأول، ويتسلسل، أو يكون الإكراه عبثاً وكلاهما محال، أو يصح العمل بلا نية، وهو المطلوب [138] .
وقد نص الفقهاء في أمور عدة على ما قرره الشاطبي هنا، فقد نص الشافعي [139] على أن للوالي أن يأخذ الزكاة من أهلها، ولو لم يكن لهم نية في دفعها إليه، ويقول الشافعي في هذا الصدد:
"وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نية من الرجل في دفعها إليه أو بنية طائعاً كان الرجل أو كارهاً، ولا نية للوالي الآخذ لها في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية فهي تجزئ عنه" [140] .
وهذا الذي قرره يقول به جماهير العلماء، يقول الماوردي [141] من الحنابلة:
"لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنيَّة، إلا أن يأخذها الإمام قهراً، فإنه تجزي عن ربها على الصحيح من المذهب" [142] .
ثانياً: الاعتراض الثاني الذي أورده الشاطبي مما يستدل به على أن المقاصد لا تعتبر في كل فعل: أنَّ الأعمال ضربان: عادات وعبادات، فأما العادات فقد قال الفقهاء: إنها لا تحتاج في الامتثال بها إلى نية، بل مجرد وقوعها كاف كرد الودائع والغصوب والنفقة على الزوجات والعيال وغيرها.
وأما العبادات فليست النية مشروطة فيها بإطلاق أيضاً، بل فيها تفصيل وخلاف وخوف بين أهل العلم في بعض صورها.
فقد قال جماعة من العلماء بعدم اشتراط النية في الوضوء، وكذلك الصوم والزكاة، وهي عبادات، وألزموا الهازل العتق والنذر، كما ألزموه النكاح والطلاق والرجعة.