ومما يدل على اعتبار القصود في العبادات والتصرفات أن الأفعال الاختيارية لا تصدر من الإنسان إلا بقصد وإرادة، وقد أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن (( أصدق الأسماء حارث وهمام ) ) [121] لأنهما يصدقان على كل إنسان حي فكل إنسان حارث أي كاسب عامل، وكل إنسان همام، أي دائم الهمّ والإرادة لما يفعله [122] .
وقد اعتبر ابن الهمام [123] أن الفعل الاختياري لابد في تحقيقه من القصد إليه، وعدّ ابن تيمية القصد إلى الفعل أمراً ضرورياً في النفس ولو كلف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كلفوا ما لا يستطيعون [124] .
رابعاً - عدم اعتبار الشارع للأفعال التي وقعت من غير قصد:
الأعمال الصادرة من المجنون والمعتوه والمخطئ والساهي والغافل والنائم لا يعتد بها إن كانت طاعات، ولا يعاقب عليها إن كانت معاصي، فالذي يستمع القرآن بغير قصد الاستماع لا يثاب على استماعه والسامع للمحرم من الكلام من غير قصد لا عقوبة عليه. ومن أكل أو شرب ناسياً وهو صائم فصومه صحيح.
والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متوافرة منها:
1 -وقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [125] .
وعندما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة دعا الصحابة بها (( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) )قال الله (( نعم ) )أو: (( قد فعلت ) ) [126] .
2 -وقد نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على عدم مؤاخذة من ليس له قصد، فعن ابن عباس [127] رضي الله عنهما قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ) [128] .