فهرس الكتاب

الصفحة 7249 من 19127

وشبيه بالجماد والبهيمة: المجنون والصغير الذي لا يميز، فهذان وإن وجد لهما أصل الفهم لأصل الخطاب، فليس عندهما فهم لتفاصيل الخطاب: من كونه أمراً أو نهياً، ومفضياً للثواب والعقاب، ومن كونه الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة.

فلما تعذر ذلك من المجنون والصغير استحال تكليفهما. أما الصبي المميز - وإن كان له فهم - فإن فهمه غير كامل، ومن رحمة الله تعالى أنه لم يكلفه حتى يكتمل عقله [94] .

ولما كان العقل والفهم خفيين، ولا يظهران دفعة واحدة، بل يبدوان على التدريج، فقد جعل الشارع ضابط العقل، وفي الحديث: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون - المغلوب على عقله - حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ) ) [95] .

ولما كان النائم والناسي والغافل، لا يتأتى منهم الفهم كانوا غير مكلفين حال اتصافهم بذلك، لأن القصد لا يتأتى منهم في هذه الأحوال.

(( ووجوب الزكاة والغرامات في مال الصبي والمجنون ليس تكليفاً بهما، وإنما معناه أن الإتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالإدلاء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن ) ) [96] .

المبحث الرابع

قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة

إن المقصد الشرعي من وضع الشريعة إنما هو إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدالله اضطرارياً، فقد خلق العباد لعبادته سبحانه، والدخول تحت أمره ونهيه، ومن ذلك قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [97] .

وغير ذلك من الآيات القرآنية الدالة على وجوب الرجوع إلى الله في جميع الأحوال، والانقياد إلى أحكامه على كل حال. ومن ذلك ما دل على ذم مخالفة هذا القصد، ومن النهي عن مخالفة أمر الله، وذم من أعرض عن الله وإيعادهم بالعذاب العاجل والآجل، من العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف المخالفات، وأصل ذلك اتباع الهوى، والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت