الأول: يقول: أن المصطلح الشرعي للنية (( قصد الشيء مقترناً بفعله ) ) [78] فهؤلاء يرون أن النية تطلق على القصد المقرن للفعل المتحقق، وعلى قصد الفعل الذي سيكون مستقبلاً، فجاء الشارع وخص النية بالقصد المقترن من الفعل.
الثاني: أن النية في اللغة شاملة لقصد الفعل ابتغاء وجه الله، أو لمنفعة دنيوية وعرض زائل، فخصص الشارع بالتوجه نحو ابتغاء مرضاة الله، وهذا ما يشعر به كلام القاضي البيضاوي ومن تابعه [79] .
وما ذهبوا إليه هنا يحتاج إلى نظر وتأمل، فالنية كما قرروا فعل من الأفعال الخاصة بالقلوب، وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم ينقل الشارع مسماها الاسم اللغوي إذا قصد بها وجه الله تعالى. لم ينقل الشارع حركة البدن بالسجود لله عن مسماها بالسجود للصنم، بل الكل سجود.
ولم ينقل حركته بالطواف عن مسماه بالطواف للصنم، بل الكل باق على مسماه اللغوي وكذلك النية التي هي حركة القلب وانبعاثه فإنها باقية على مسماها اللغوي لم ينقلها الشرع ولا خصصها، بل بيَّن أن ما كان منها لله فهي المطلوبة المحبوبة، وما كان رياء وسمعة فهي مكروهة ممقوتة [80] وقد تنبّه إلى هذا الصنعاني [81] ورجحه، ومما يؤيد هذا القول أن الذين قالوا بأن النية معنى شرعياً غير المعنى اللغوي - عندما فسروا لفظ النيّة التي وردت في الأحاديث - لم يستطيعوا أن يحملوها على المعنى الشرعي الذي افترضوه، بل حملوها على المعنى اللغوي، وهذا متحتم في كل الأحاديث التي ورد فيها لفظ النية، كحديث ربَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته [82] وغيره*.
ولا يمكن حمل هذه الأحاديث على المعنى الشرعي الذي فرضوه، إن هؤلاء أنفسهم حملوها على المعنى اللغوي، فالصواب - والله أعلم - أن الشارع استعمل النية في معناها اللغوي، ولم يضع لها معنى اصطلاحياً خاصاً.
وقد نص على هذا التحقيق الذي قررناه أحمد الحسيني [83] من المتأخرين قال: