إنّ (التّرف) مُمارَسة (مدمِّرة) ، سواء للجماعة كلِّها التي تسكت عليها، وتغضُّ عنها الطَّرْف، أو تَغْلو في انهزاميَّتها فتتملَّق وتتقرَّب وتداهن، أو للمترفين أنفسهم الذين يعمي الثَّراء الفاحش، -وما ينبثق عنه من مُمارسةٍ مَرضيَّة متضخّمةٍ مبالَغٍ فيها: بصائرَهم، ويطمس على أرواحهم، ويسحَق كلَّ إحساسٍ أخلاقيٍّ أصيلٍ في نفوسهم، ويَحجُب عنهم - وهذا هو الأهمّ والأخطَر - كلَّ رؤْية حقيقيَّة لدَوْر الإنسان في الدُّنيا (مَوْقفه في الكون) ، وطبيعة العَلاقات المُتبادَلَة بين عالَمَيِ الحضور والغياب، والمادَّة والرُّوح، والطَّبيعة وما وراء الطَّبيعة، والأرض والسَّماء. فيما أكسب التَّرف نفوسهم وحِسَّهم من خشونةٍ وثِقل وغلاظةٍ، ثقلوا فهبطوا فانقطعوا عن كلِّ رؤْية بعيدة، أو إيمانٍ جادٍّ يتَجاوَز بهم عالَم الحضور إلى الغياب، والمادَّةَ إلى الرُّوح، والطَّبيعةَ إلى ما وراءها، والأرضَ إلى السَّماء، والعَلاقاتِ المنفعيَّةَ إلى المواقع الأخلاقيَّة التي يتميَّز بها بنو آدم عن عالَم النَّمل والنَّحْل والحيوان. وهذا التَّحليل القرآنيّ يَقِف في تضادٍّ كامل مع الفَرْضيَّة الماركسيَّة التي تقول: إنَّ الدِّين لا يَعدو أن يكون جزءًا من الأخلاقيَّات والمُمارساتِ البُورجوازيَّة.
{وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ}