والتاريخ يحدثنا أن حركة التأليف في التشريع لم يكن لها وجود في العصر الأول للإسلام، أي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان القرآن ينزل منجماً فيدون، أما السنة فتحفظ.
ثم كان الناس يجتهدون ويقيسون الأحكام، وما لم يوجد فيه نص صريح من قرآن أو سنة، وقع الرجوع فيه إلى إعمال الرأي، والاستنتاج والاستنباط.
ولما فتح المسلمون عدة أقطار، وانتشر الإسلام، وقع الاحتياج إلى التدوين والتصنيف، وبرز عدة فقهاء ألفوا عدة كتب، نذكر منهم بالأخص أبا بكر عمر بن حزم الأنصاري، المتوفي سنة 120هـ. ومحمد بن محمد بن مسلم بن عبيدالله ابن شهاب، المتوفي سنة 124هـ.
ثم لما كثرت تفاريع التشريع، ونمت ملكة التفقه بسبب حركة الفتوحات، والتبسط في العمران، واختلاف البيئات والمجتمعات والنمو الاقتصادي، كان لزاماً أن تحدث الخلافات في الرأي وفي الاستنباط، واحتيج إلى توحيد العمل، وإلى تدوين الفتوى، وإرساء نظام خاص لقواعد القضاء، ونادى المنادي يوضع الكتب لهذه الغايات إجتناباً للفتنة، وحرصاً على عدم الانقسام، فكتب مثلاً (( ابن المقفع رسالته المشهورة إلى الخليفة (( أبي جعفر المنصور ) )يقول فيها:"فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وأمضى في كل قضية رأيه، ونهى عن القضاء بخلافه وكتب في ذلك كتاباً جامعاً"... إلخ.
ولما حج (( أبو جعفر المنصور ) )والتقى بالإمام (( مالك ) )رحمه الله قال له:"يا مالك، لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة، وأما أنت فضع للناس كتاباً في السنة والفقه، تجنب فيه رخص ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطئه توطئة".
فألف مالك (( الموطأ ) )وكان أول ما ظهر للناس في الفقه قال فيه الإمام الشافعي رضي الله عنه (( ليس بعد كتاب الله أصح من كتاب الموطأ لمالك ) ).