فهرس الكتاب

الصفحة 7042 من 19127

وعلى الإجمال، لم يكن الخلاف بين المذاهب المختلفة خلافاً على المبادئ والتعاليم الأساسية، بل كان بوجه عام واقعاً على الفروع بمناسبة تطبيق المبادئ على القضايا العملية، فإذن، بوجه عام يعتبر اختلاف المذاهب شبيهاً باختلاف المحاكم اليوم في تفسير بعض النصوص أو القواعد عند تطبيقها على الدعاوى المعروضة عليهم.

ونحن نورد مثلاً على ذلك لنرى نوع الخلاف في هذا الأمر فقد اتفق الفقهاء على أن غاصب الشيء يلزمه أن يرده عيناً، وعلى أنه إذا استهلك الغاصب الشيء أو تلف أو ضاع، كان عليه إعطاء مثله إن أمكن وإلا فإعطاء قيمته. ولكن، لما كانت القيم والأسعار تتقلب مع الزمان والأمكنة، وجب تحديد الوقت والمكان اللذين ينظر إليهما عند تعيين قيمة المغصوب. فقال الحنفيون أن ينظر في ذلك إلى زمان حصول الغصب ومكانه. واعتمد الحنبليون وقت حصول التلف ومكانه. أما في المذهب الشافعي، فيضمن الغاصب المغصوب بأقصى قيمته من وقت الغصب إلى التلف. هذا مَثَلٌ عن اختلاف المذاهب. فالجميع متفقون على أن الغاصب يلزمه دفع القيمة عند تعذر أداء المثل، ولكنهم اختلفوا في التفصيلات المتعلقة بطريقة تقدير هذه القيمة ليس إلا.

وهكذا نرى أن اختلاف المذاهب، بوجه عام، كان اختلافاً في تطبيق القاعدة على القضايا العملية، شبيهاً باختلاف المحاكم اليوم في اجتهادهم القضائي.

قُلْتُ بوجه عام، لأن الاختلاف وقع على المبادئ أيضاً في بعض المستثنيات القليلة.

وأنه ليجدر بنا الوقوف لحظات وقفة عبرة وتأمل، وإلقاء نظرة خاطفة على هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا فقهاء الإسلام في فجر انبعاث حركة التأليف، وانتشار المذاهب الفقهية، وما صنف فيها من مصنفات جليلة دلت على عظمة هذا المنتوج الذهني المستمد من تشريع سماوي مصدره الأول القرآن الكريم، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت