غير أن هذا التباين بين أئمة المذاهب المختلفة لم يدم على هذا النحو بين تلامذتهم. إذ أن كثيرين من تلامذة الإمام الواحد قد رحلوا إلى الأمصار الأخرى، واتصلوا بالأئمة الآخرين وبتلامذتهم وأخذ كل فريق عن الفريق الآخر الشيء الكثير. وكان بينهم جدال وحوار ومناظرات فأسفر ذلك كله عن اتجاه جديد يرمي إلى تقريب النظريات المتعارضة، وإلى مزج طريقة أهل الحديث بطريقة أهل الرأي. فاستتبع هذا الاتجاه ظهور أئمة وتلامذة من الطريقتين معتدلين ومتوسطين، كما تلمس في مذهب الإمام الشافعي الجديد، وفي فتاوي أبي يوسف الطحاوي وغيرهم. حتى أننا نرى في الكتب الحنفية أحاديث عديدة لم يقبل بها أهل الحديث، ونرى في مذاهب أهل الحديث توسعاً ظاهراً في الاجتهاد كدليل المصالح المرسلة عند المالكيين، وكالاتجاه العقلي الملموس عند مجددي المذهب الحنبلي، أمثال بن تيمية وابن قيم الجوزية.
ومن الأمور الظاهرة في تعدد المذاهب الإسلامية أن الطريقة التي اتبعها الفقهاء في اجتهادهم واستدلالهم هي الطريقة التحليلية فيما يتعلق بالنصوص، والطريقة الاستقرائية فيما لا نص عليه. أي أن الفقهاء كانوا يأخذون النص كقاعدة، ثم يفسرونه ويحللونه ويستخرجون منه النتائج والفروع. أما إذا لم يكن من نص في المسألة، فإنهم كانوا حذرين يقظين، خائفين في البدأ من وضع القواعد العامة، لئلا يصطدموا بالنصوص المقدسة. فكانوا يدرسون القضية التي تعرض عليهم، أو التي كانوا يستعرضونها أثناء أبحاثهم ويجتهدون في استنباط الحل اللازم بالقياس أو الإجماع أو غير ذلك من الأدلة الشرعية. فكان اجتهادهم مبنياً على الاستقراء والخبرة وعلى التأني والحذر. وهذا هو السبب في أن الفقهاء المسلمين بوجه عام درسوا نظرية الجرم ونظرية العقد في أبواب الجرائم والعقود المختلفة. ولكن هذا لم يمنع المتأخرين منهم عن استخلاص القواعد الحقوقية الأساسية ودرسها درساً علمياً مستفيضاً.