وما ذكره إمام الحرمين [24] ذكر مثله ابن الهمام الحنفي في التحرير.. بقوله: إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية القطعية لا الظنية. وأن الظن ليس من الفقه، والأحكام المظنونة ليست مما يسمى العلم بها فقهاً [25] .
أما المذهب الثالث: فقد قال به أيضاً كثير من العلماء، حيث تخصص الفقه بالمسائل المظنونة. قال علاء الدين شمس النظر الحنفي - 539هـ في كتابه المسمى ميزان الأصول في نتائج العقول:"وأما العلم السمعى نوعان: أحدهما ثابن بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفَسَّر من الكتاب والخبر المتواتر والمشهور والإجماع."
والثاني: ثابت بطريق الظاهر بناء على غالب الرأي وأكبر الظن، وهو ما ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة، وما ثبت بخبر الواحد والقياس الشرعي. وهذا النوع بقسميه يسمى علم الشرائع والأحكام، ويسمى علم الفقه في عرف الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا اختصاص له بهذا النوع من العلم بل هو إسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم يحتاج فيه إلى النظر والاستدلال مطلقاً، كعلم النحو واللغة والطب ونحوهما، يقال فلان فقيه في النحو والطب واللغة إذا كان قادراً على الاستنباط والاستخراج في ذلك" [26] ."
فيفهم من هذا الكلام أن الفقه إنما يطلق على العلم بالمسائل الظنية لأنه إنما أطلقه على النوع الثاني بقسميه وهما:
1 -ما ثبت عن طريق الظواهر وغالب الرأي والظن من جهة.
2 -أو ما ثبت عن طريق خبر الآحاد والقياس من جهة أخرى - فهذا بيان كلامه.
وأكثر علماء الأصول لا يبتعدون كثيراً عن هذا التعريف الأخير، فإنهم يعرفون الفقه بأنه: معرفة الأحكام الشرعية العملية، التي طريقها الاجتهاد كما قال: الشيرازي في اللمع، فيخرج العلم بالذوات والعلم بالأحكام العقلية والحسية والوضعية كالحساب والهندسة والنحو والصرف [27] إلى آخره.