هذه الأطوار التي مرت بها الشريعة من عهد الصحابة الذين جمعوا القرآن الكريم وجمعوا الناس على مصحف واحد، وعهد التابعين الذين بدأوا مسيرة جمع السنة، والذين من بعدهم من الأئمة الذين اجتهدوا في استخراج المسائل واستنباطها، كل ذلك قد أثر في تطور معنى كلمة فقه، وبدون شك فإن هذا قد خلف ظلالاً على تعامل العلماء من بعدهم، مع تعريف هذه الكلمة وتحديد مفهومها الدقيق، وذلك ما سنراه بعد هذه المقدمة.
تعريف الأصوليين للفقه
اختلف الأصوليون في تعريف الفقه، على ضوء ما ذكرنا في مقدمة هذا البحث:
1 -فذهب بعضهم إلى أن الفقه مرادف للعلم بالشريعة أي أنه شامل للعلم بالأحكام الثابتة بالنصوص القطعية، أو تلك الثابتة بالطرق الظنية.
2 -وذهب بعضهم إلى أنه الثابت بالنصوص القطعية فقط.
3 -وذهب الجمعور إلى أنه العلم بالأحكام المستفادة عن طريق الاستنباط والاجتهاد.
4 -وذهب فريق رابع إلى أنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب عن طريق الأدلة التفصيلية.
فهذه أربع طرق يمثل الأولى منها - وهي التي ترى أنه شامل للأحكام القطعية والظنية، من العلماء:
البزدوري الحنفي، وقد نقل ابن عباس في رد المحتار عن شرح التحرير أنّ التعميم قد مضى غير واحد من المتأخرين على أنه الحق، وعليه عمل السلف والخلف [23] .
أما المذهب الذي يقول بأنه الثابت بالنصوص القطعية فمن الذاهبين إليه إمام الحرمين في البرهان، حيث يقول:"فإن قيل في الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح الشريعة: العلم بأحكام التكليف. فإن قيل معظم متضمن ما سئل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقهاً وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون".
وذكر بعد ذلك قوله: قد ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية.