ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( تفقهوا قبل أن تسوَّدوا ) ) [20] .
قال أبو عبدالله - البخاري -:"وبعد أن تسودوا وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد كبر سنهم".
بعد هذه المقدمة القصيرة عن معنى الفقه في القرآن والسنة، نستنتج أن الفقه بمعنى المعلوم، كانت تغطى علوم الدين كلها من عقيدة وأحكام عبادات ومعاملات، وحدود، كما تغطى أدلتها من كتاب وسنة، كل ذلك يعتبر فقهاً، لأن متعلقه الدين، والدين كما هو معروف إذا أطلق فإنه يدل على الإسلام والإيمان والإحسان، ومع ذلك فنحن نلاحظ استعمال كلمة الفقه، في بعض الآثار الواردة عن بعض السلف في عصر الصحابة، بجانب الكتاب والسنة، مما يشير إلى شيء خاص وليس حَتْماً منافياً ولكنه على كل حال زائد على حرفية النص، فمن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: أفضل الجهاد من بنى مسجداً يعلم فيه القرآن والفقه والسنة [21] . رواه شريك عن ليث ابن سليم بن يحيى ابن أبي كثير عن علي الأزدي، قال: أردت الجهاد فأتيت ابن عباس فقال لي: (( ألا أدلك على ما هو خير تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن وتعلم فيه الفقه ) ) [22] .
وهذا يدل على أن الفقه بدأ في تمثيل مصطلح خاص متميز في أيام الصحابة، وذلك راجع إلى ظهور مسائل اجتهادية، كمسألة ميراث الجد مع الأخوة، ومسألة أراضي العراق وغيرها من أرض الخراج ومسألة درء الحد عمن ولدت لستة أشهر، وغيرها من المسائل التي تستدعي الاجتهاد وأعمال النظر، وظهور هذه المسائل كان نتيجة لتلاحق التطورات في المجتمع الإسلامي الذي اتسعت رقعته، وتنوعت عناصر مكوناته، وكان القرآن الكريم الذي جمع جمعاً أولياً على عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق وجمعاً نهائياً على عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وعن الخلفاء الراشدين جميعاً.. والذي جمع الناس على مصحف واحد ووزعه على الآفاق وألغى ما سواه وكان ذلك بمحضر الملأ من الصحابة ومشورتهم.