ذكرنا - سابقاً: أنه ما من إنسان إلا وهو يفرح ويحزن, فإذا وجّه الفرح إلى شيء محمود، صرف القلب عن ضده, وشغل عنه, وإلا وجد الفرح المذموم إلى القلب سبيلاً, بخاصة إذا كان في القلب مرض شبهة أو مرض شهوة.
عرض القرآن الكريم إلى الفرح المذموم, فذكر منه صوراً، أسندها إلى طوائف صدروا عنها في كثير من تصرفاتهم, وكان لهذا الفرح المذموم أسبابُه ودوافعه ابتداءً، ثم آثاره لاحقاً.
المتأمل في الآيات - التي تحدثت عن هذا الفرح - يجد المتلبسين به هم اليهودَ والمنافقين والكافرين والمترفين, ولعل من المناسب الحديث عن صور هذا الفرح من خلال هذه الطوائف:
اليهود والفرح المذموم:
إن الكذب جريمة أخلاقية, توجب على من وقعت منه أن يتوارى خجلاً, لكن أن يصبح الكذب مبعثَ فرح في النفوس، ويطلب مَنْ صدر منهم هذا الكذب الحمد والثناء عليه, فهذا ما لا يُتَصَوّر إلا من أناس، نفوسُهم خسيسة, وأغراضهم رخيصة, واليهود أَوْلى الناس بهذه الصفات، وهم من تمثّلت بهم, قال تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] .
كان اليهود يخالطون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة أحياناً, وحدث مرة أن سألهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - سؤالَ اختبارٍ وكشفِ نيّاتٍ, فكذبوا عليه، ثم فرحوا بهذا الكذب, ثم أشعروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم يستحقون منه المدح والثناء على تجاوبهم.
أنزل الله تعالى هذه الآية، وضمَّنها وعيداً وتهديداً لهؤلاء اليهود؛ على فرحهم المذموم الذي أبدوه، وعلى الحمد الذي طلبوه.